شبكة قدس الإخبارية

الاحتلال يواجه تركيا في سوريا: كيف نفهم ما يجري؟

٢١٣

 

2025-04-05 الاحتلال يواجه تركيا في سوريا: كيف نفهم ما يجري؟
هيئة التحرير

فلسطين المحتلة - خاص قدس الإخبارية: في سياق هجومها العدواني الشامل على المنطقة، حوَلت دولة الاحتلال الإسرائيلي سوريا إلى ساحة رئيسية من ضمن الساحات التي تعمل فيها عسكرياً بشكل رئيسي وضمن برنامج متكامل لضمان هيمنتها ومنع أي مشروع عربي يتحرك ضدها.

قبل سقوط نظام بشار الأسد شن جيش الاحتلال عدواناً لسنوات على سوريا، ضمن ما أسماه "المعركة بين الحروب"، وكان الشعار الرئيسي هو منع إيران وحزب الله والقوى المعادية لـ"إسرائيل" تطوير بنية تحتية عسكرية وأمنية تخلق واقعاً استراتيجياً يشكل تهديداً دائماً في إطار مشروع التطويق للانطلاق في هجوم جبهوي مشترك بين قوى المقاومة.

في الساعات الأولى من دخول قوات المعارضة السورية إلى العاصمة دمشق، وسقوط نظام الأسد، اندفع جيش الاحتلال نحو الأراضي السورية في المناطق على الحدود مع الجولان السوري المحتل وسيطر على مساحات واسعة، وشن عملية قصف جوي استهدفت مواقع ومطارات ومقدرات للجيش السوري بهدف حرمان السلطة الجديدة منها في تأكيد على أن دولة الاحتلال مشروع يستهدف المنطقة كاملة لمنعها من التطور أو التقدم أو النهوض.

واستمر جيش الاحتلال في عدوانه على الأراضي السورية، طوال الشهور الماضية، تزامناً مع العدوان على غزة والضفة المحتلة ولبنان واليمن، بدعم أمريكي وشراكة من إدارة ترامب التي استكملت ما بدأته إدارة بايدن بصورة أكثر وحشية، وأعلن قادة الاحتلال بينهم نتنياهو ووزير الجيش كاتس والخارجية جدعون ساعر وغيرهم أن المشروع الإسرائيلي في سوريا هو منع الجيش السوري من الدخول إلى جنوب البلاد، والمضي في مشروع تقسيم سوريا بناء على الفرز الطائفي عن طريق إحياء والنفخ في الخلافات بين الطوائف والمجموعات والمناطق، وإبقاء سوريا كاملة تحت الهيمنة الإسرائيلية، ومنع النظام الجديد من تطوير قدرات تتيح له الدفاع عن البلاد.

ضمن هذه المنظومة من محاولة تكريس الهيمنة، تعمل دولة الاحتلال على منع أي انتشار تركي في سوريا، خاصة على مستوى الجيش والقواعد العسكرية، وفي الأيام الماضية شن طيران الاحتلال غارات على مطارات عسكرية قيل إن تركيا تخطط لإقامة قواعد عسكرية لها داخلها ضمن اتفاقيات مع الحكومة السورية.

آخر الغارات كانت الأسبوع الماضي، وكانت رسالة وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس واضحة أن "إسرائيل لن تسمح للنظام السوري بإدخال قوات معادية إلى البلاد"، حسب زعمه، وأكد وزير الخارجية جدعون ساعر في لقاءات مختلفة أن دولة الاحتلال تسعى لمنع تركيا من التمركز عسكرياً داخل سوريا.

ما هي أسباب ودوافع التوتر الحالي؟

رغم أن دولة الاحتلال تربطها بتركيا علاقات قديمة منذ بدايات تأسيسها إلا أن هذه العلاقات دخلت مراحل توتر في السنوات الأخيرة بعد وصول حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان إلى السلطة

في المنظور الأمني الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر 2023 فإن الهجوم وتوسيع الانتشار العسكري هو الحل لمواجهة التهديدات الأمنية في واقع متغير وشديد التعقيد وهو ما يعني العودة إلى أدبيات أمنية واستراتيجية قديمة في العقلية الصهيونية استبدل جزء منها بعد التغييرات في المنطقة خاصة بعد اتفاقيات السلام مع أنظمة عربية ودخول قوى (أقل من دول) في المواجهة

ترى دولة الاحتلال أن الانتشار العسكري في سوريا قد يهدد قدرتها على استباحة الأجواء السورية وشن غارات وتنفيذ عمليات عدوانية في إطار ما تسميه "حرية العمل".

تخشى دولة الاحتلال من نشر منظومات دفاع جوية تركية في سوريا تهدد سلامة طيرانها خلال استباحة الأجواء السورية.

دخول قوى عسكرية إسلامية أو عربية إلى سوريا يهدد عملية "الهيمنة المطلقة" التي تسعى دولة الاحتلال لفرضها على سوريا لمنعها من النهوض أو امتلاك قدرات دفاعية أو هجومية قد تشكل تهديداً على "إسرائيل" في المستقبل.

يسعى الاحتلال من خلال السيطرة على مساحات واسعة من الأرض السورية ومنع الجيش السوري من الدخول إلى الجنوب وعمليات القصف للمطارات والمنشآت إلى الضغط على النظام في دمشق لإجباره على الدخول في اتفاقيات تطبيع وهو مشروع مشترك مع إدارة ترامب التي تضغط أيضاً على الدولة في لبنان للدخول في مفاوضات تسوية وسلام مباشرة مع دولة الاحتلال.

المشروع الإسرائيلي الحالي تجاوز عمليات "الدفاع وإحباط" أي خطوات عربية أو إسلامية لتشكيل وضعية هجوم استراتيجي أو عملياتي عليها إلى فرض هيمنة كاملة تمنح حكومة الاحتلال مع الولايات المتحدة على تشكيل المنطقة كما تشاء وهي عملية لا تتوقف على الهجوم على القوى المعادية للاحتلال فقط بل الضغط على قوى كانت إما محايدة عن الصراع أو موافقة على مسار التسوية أو تربطها مع "إسرائيل" اتفاقيات وعلاقات استراتيجية كما في حالة مصر التي بدأت تتعرض لضغوط تتعلق بالانتشار العسكري في سيناء.

حصول الحكومة السورية على مقومات قوة في ظل الأوضاع الاقتصادية والحالة الممزقة التي وصلت إليها البلاد بعد سنوات من الحرب يخشى الاحتلال أنها قد تقوي موقفه في وجه أي محاولة لإدخاله في التطبيع والتسليم بـ"الهيمنة الإسرائيلية" على المنطقة.

تقود حكومة الاحتلال منظومة من ما يعرف بـ"اليمين" و"اليمين الصهيوني الديني" الذي يرى في القوة العسكرية والهجوم ليس فقط على الفلسطينيين خياراً لفرض المشروع الإسرائيلي على المنطقة بعد تراجع الخيارات الاستراتيجية الأخرى المتعلقة بمحاولة التعايش مع الأوضاع الإقليمية والتقدم نحو تقوية العلاقات وفتح علاقات في مسار دبلوماسي - أمني قائم على العلاقات الثنائية.

المشروع التركي والإسرائيلي في سوريا يقفان على طرفي النقيض: الاحتلال يسعى إلى سوريا مقسمة وضعيفة ومسيطر عليها، بينما ترى تركيا في الحالة الجديدة بعد سقوط الأسد فرصة استراتيجية وتسعى لمساعدة الإدارة الجديدة.

يسعى نتنياهو وأقطاب الإدارة الإسرائيلية إلى إقناع ترامب بمشروعهم في سوريا بينما تسعى تركيا إلى النقيض من ذلك لدى الولايات المتحدة الأمريكية.

 في المدى القريب والمنظور فإن تركيا ودولة الاحتلال قد لا تريدان الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة على الأراضي السورية.

ما المتوقع في المستقبل؟

حتى اللحظة لم تتسبب الغارات الإسرائيلية في خسائر تركية مباشرة وفي المستقبل قد يكون لعامل الإصابات البشرية في حال وقعت دور في تحديد شكل العلاقة هل تتجه نحو صراع وصدام مباشر أم لا

قد يلجأ كل طرف إلى تفعيل أدوات ضغط مختلفة على الآخر في سياق هذه المعركة.

ربما تعود دولة الاحتلال إلى محاولة استغلال الملف الكردي وتخريب الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية و"قسد" لإعادة إحياء مشروع الدولة الكردية في سوريا بهدف تفتيت البلاد.

الاحتلال مستمر في مشروعه في الجنوب السوري ومحاولة فرض السيطرة وتطبيع العلاقات الاقتصادية وتقسيم المجتمع السوري لكن المقاومة العسكرية التي بدأت مؤخراً من قرى وبلدات في الجنوب السوري في حال استمرارها تشكل عرقلة للمشروع الإسرائيلي الاستعماري.

يستغل الاحتلال علاقاته مع اليونان صاحبة العلاقات المتوترة والصدامية تاريخياً مع الأتراك للضغط على تركيا من خلال مد الحكومة اليونانية بالسلاح وأنظمة الدفاع الجوي.

يبدو أن تركيا من خلال تصريحات وزير خارجيتها لا تنوي الدخول في مسار عسكري صدامي مع دولة الاحتلال على الأراضي السورية في هذه المرحلة على الأقل.

من خلال قراءة السلوك التركي في الأزمات مع دولة الاحتلال يبدو أن الخيارات التركية كانت تتراوح بين التصعيد بأشكاله السياسية ومحاولة اجتراح جهد دبلوماسي ثم العودة إلى الحالة بين التهدئة والتصريحات الداعمة للفلسطينيين في إطار ما يسمى "حل الدولتين" وإدانة المجازر الإسرائيلية.

قبل الحرب كانت تركيا دخلت في مسار إعادة تقوية العلاقات مع دولة الاحتلال واعتبر مراقبون أن الردود التركية على المجازر الإسرائيلية في غزة تأخرت إلى حد ما على عكس حروب سابقة وهو ما قرأوه في إطار المحافظة على "التصعيد التدريجي".

تسعى تركيا منذ سنوات إلى دور إقليمي في المنطقة في إطار التنافس والتعاون وتحقيق النقاط في سياق العلاقات المعقدة مع بقية اللاعبين الإقليميين (إيران، السعودية، إسرائيل) وغيرهم.

سقوط نظام الأسد مثل على المستوى الاستراتيجي انتصاراً لتركيا التي دعمت المعارضة طوال سنوات رغم أن أردوغان أعلن أنه ينوي فتح علاقات مع النظام السوري السابق قبل شهور من سقوطه.

تعقيدات الساحة السورية ودخول دولة الاحتلال فيها من خلال العملية العدوانية التي بدأت فور سقوط النظام يجعل من سوريا ساحة تنافس متعددة الأوجه والوجه الأبرز فيها الآن العمل لمنع نفوذ تركي خاصة عسكري.

من المتوقع تبقى تركيا في طور العلاقات الاستراتيجية مع النظام السوري الجديد وتطويرها على المستويات المختلفة اقتصاديا وسياسيا وغيرها مع الإبقاء على خيار إقامة القواعد العسكرية في سياق "الغموض الاستراتيجي" أو عدم الإعلان الصريح.

قد تحافظ تركيا على الاستمرار في مشروع الانتشار البطيء على الأرض في سوريا.

عملت تركيا مؤخراً على منع دولة الاحتلال من المشاركة في مناورات لحلف شمال الأطلسي "الناتو" وهو ما اعتبر إسرائيلياً عملاً عدائياً بعد تصريحات لأردوغان عن "تهديد إسرائيلي للأمن القومي التركي" ومشاركة تركيا في الدعوى القضائية التي رفعت أمام المحكمة الدولية ضد جرائم الإبادة الإسرائيلية في غزة.