شبكة قدس الإخبارية

"منع سقوط أوراق القوة"

ما خيارات المقاومة في غزة مع انقلاب الاحتلال على اتفاق التهدئة؟

٢١٣

 

ما خيارات المقاومة في غزة مع انقلاب الاحتلال على اتفاق التهدئة؟
أحمد الطناني

غزة - خاص قدس الإخبارية: أعاد انقلاب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو على اتفاق التهدئة وتبادل الأسرى في قطاع غزة المشهد إلى مربع المواجهة المفتوحة، مدخلًا السياق السياسي والميداني في نفق مظلم بأفق بالغ الضبابية.

يزداد هذا التعقيد مع الغطاء الأميركي الكامل الذي وفره الرئيس دونالد ترامب وإدارته، المنسجمة بشكل كامل مع أطروحات اليمين الصهيوني، الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وفرض مشاريع التهجير والتفريغ السكاني.

وجّه نتنياهو قراره الأحادي بالتنصل من الاتفاق، عبر تمريره تحت مظلة "مقترح ويتكوف"، في إشارة إلى مبعوث الإدارة الأميركية للشرق الأوسط، الذي لعب دورًا رئيسيًا في ضبط إيقاع المفاوضات، ومنع انهيارها خلال أيام المرحلة الأولى من التهدئة، قبل أن تنتهي فعليًا قبل أيام.

تحرك نتنياهو مدفوعًا بجملة من العوامل المعقدة؛ داخليًا، بحسابات الحفاظ على تماسك ائتلافه اليميني المتطرف، وخارجيًا، بترتيبات الإدارة الأميركية وتوجيهاتها.

 كما لا تنفصل قراراته عن طموحات استراتيجية أوسع، يسعى من خلالها لتسجيل اختراق نوعي يخدم المشروع الصهيوني ضمن ترتيبات الإقليم، على أمل أن يكون عرّاب الشرق الأوسط الجديد.

في المقابل، تجد المقاومة الفلسطينية نفسها أمام واحد من أصعب التحديات الاستراتيجية منذ بدء الحرب؛ إذ تتآكل تدريجيًا أوراق الإسناد والدعم، بينما تزداد المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية، خصوصًا في ظل سعي الاحتلال، بدعم أميركي مباشر، لسحب ورقة الأسرى، التي تُعد أثمن أوراق القوة في يد المقاومة.

وسط هذه المعادلة شديدة الحساسية، تتحرك حسابات المقاومة بين الحفاظ على ما تبقى من عناصر القوة الاستراتيجية، ومنع استنزافها في مسارات عبثية، وبين محاولة انتزاع استدامة للهدوء، ووقف تصاعد الحرب، التي باتت عودتها هدفًا واضحًا للاحتلال وحكومته، كمدخل لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية وعسكرية على حساب الشعب الفلسطيني ومقاومته.

الانقلاب على الاتفاق... والتجويع أول الأسلحة

مع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق التهدئة في قطاع غزة، كان يُفترض أن تبدأ المرحلة الثانية الممتدة لـ42 يومًا، غير أن حكومة الاحتلال اختارت الانقلاب على الاتفاق، رافضة الخوض في أي مفاوضات جديدة، ومعلنة تبني "مقترح ويتكوف" كبديل مؤقت، يهدف لوقف إطلاق نار محدود خلال شهر رمضان، مقابل الإفراج المرحلي عن الأسرى الإسرائيليين، دون أي التزام واضح بوقف دائم للحرب.

هذا التحرك جاء بعد مشاورات أمنية مكثفة برئاسة نتنياهو، أفضت إلى تثبيت استراتيجية تقوم على التصعيد التدريجي، وفرض وقائع ميدانية جديدة تبدأ بوسيلة الضغط الأشد: التجويع. ففي اليوم الأول بعد انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق، قررت حكومة الاحتلال وقف إدخال كافة المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة وإغلاق المعابر بالكامل "حتى إشعار آخر"، في خطوة منسقة مع الإدارة الأميركية، وجرى تسويقها كإجراء عقابي رداً على "رفض حركة حماس" لمقترح التمديد.

وفي الميدان، سارعت قوات الاحتلال إلى إغلاق معبر كرم أبو سالم ومنع دخول الشاحنات المحمّلة بالمساعدات والوقود، فيما رحب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بالقرار، واعتبره "بداية فتح أبواب الجحيم" ضد غزة، مع التشديد على ربط إنهاء الحصار الكامل بتدمير حركة حماس واستعادة الأسرى.

وفق رواية الاحتلال، جاء مقترح ويتكوف لتجاوز الفجوات الواسعة بين الطرفين وإطالة أمد التفاوض، مع تقديم سقف زمني يمتد لشهر رمضان وعيد الفصح، يليه الإفراج عن بقية الأسرى شريطة الوصول لاتفاق نهائي لوقف إطلاق النار.

في جوهره، مثّل المقترح غطاءً سياسياً للتهرب من استحقاقات المرحلة الثانية، مع منح الاحتلال حرية استئناف القتال بعد اليوم الـ42 بحجة تعثر المفاوضات، وهو بند حظي بدعم واضح من إدارة بايدن السابقة، وإدارة ترامب الحالية.

وبينما تروج دولة الاحتلال لموقفها على أنها الطرف الملتزم بالاتفاق، وتلقي بالمسؤولية على حماس لتعطيل التفاهمات، فإن خطواتها الميدانية من منع إدخال المساعدات وإغلاق المعابر، تعكس توجهًا عمليًا نحو العودة لسياسة الخنق والتجويع كوسيلة لإجبار المقاومة على القبول بصفقة جزئية تفتقر للضمانات، دون تقديم أي التزامات بإنهاء الحرب أو الانسحاب الكامل من القطاع.

العودة إلى الحرب... خيار نتنياهو الأقرب

لم تترك حكومة الاحتلال شكاً في نيتها العودة إلى الحرب في قطاع غزة، مع التلويح العلني باستئناف القتال في أقرب وقت، إذا لم تستجب المقاومة لمطالب الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين.

فقد أكد بنيامين نتنياهو خلال جلسة الكنيست أن إسرائيل "تستعد للمراحل القادمة من الحرب"، متعهداً بتحقيق أهدافه الكاملة، وعلى رأسها تدمير حركة حماس وإزالة التهديد الذي تمثله غزة.

هذا التصعيد رافقته تسريبات إعلامية عن خطة إسرائيلية تنفذها حكومة الاحتلال بعنوان "خطة الجحيم"، تشمل وقف المساعدات الإنسانية بشكل كامل، وتهجير سكان شمال غزة مجددًا، وقطع الكهرباء والمياه، إلى جانب تنفيذ ضربات "دقيقة" تستهدف بنية المقاومة، ومنع عمليات رفع الأنقاض وإعادة الإعمار، مع الإبقاء على السيطرة العسكرية في محور صلاح الدين (فيلادلفيا).

ورغم محاولات التسويق لاستمرار الجهود الدبلوماسية، إلا أن مصادر عبرية متعددة أكدت أن نتنياهو يضع موعدًا أقصى لاستئناف الحرب خلال أيام، في حال لم تنجح الضغوط في دفع المقاومة لتقديم تنازلات جديدة بشأن ملف الأسرى.

ومن الواضح أن حكومة الاحتلال تراهن على الجمع بين خنق غزة اقتصاديًا وإنسانيًا وتصعيد القصف التدريجي، وصولاً إلى معركة جديدة واسعة تستخدم فيها الأسلحة والمعدات الأميركية الحديثة، على أمل تحقيق "ضربة قاصمة" للمقاومة، وفق ما تروج له الأوساط السياسية والعسكرية في دولة الاحتلال.

في المقابل، يظهر أن نتنياهو يتعاطى مع تمديد التهدئة أو استئناف المرحلة الثانية من الصفقة كخيارين غير واقعيين، مع تفضيله تصعيداً يحقق مكاسب سياسية داخلية، ويعيد ضبط المشهد الميداني وفق الرؤية الإسرائيلية، بعيداً عن أي التزامات بوقف دائم للحرب أو الدخول في تفاهمات مستقرة مع المقاومة.

العقبات الكبرى أمام أهداف الحرب

تواجه حكومة الاحتلال مجموعة من العقبات الاستراتيجية التي تعطل قدرتها على تحقيق الأهداف التي أعلنتها منذ بداية الحرب على قطاع غزة، وفي مقدمتها القضاء على القدرات العسكرية لحركة حماس، وإنهاء سلطتها في القطاع، وضمان عدم تشكيل غزة تهديدًا مستقبليًا للاحتلال.

ورغم شراسة العدوان واتساع دائرة التدمير، إلا أن هذه الأهداف سرعان ما خضعت لإعادة تعريف واقعي، حتى في الخطاب الإسرائيلي والأميركي، مع الاعتراف باستحالة القضاء على فكرة المقاومة أو اجتثاث حماس كحركة، والاكتفاء بالتركيز على استهداف بنيتها العسكرية.

في المقابل، تعثر مشروع إسقاط الحكم القائم في غزة، بعدما فشلت آلة الحرب في فرض نموذج إدارة بديل، سواء عبر التدخل العسكري المباشر أو من خلال إخضاع القطاع لشروط سياسية قسرية.

ولجأت حكومة الاحتلال إلى توظيف الحصار والتجويع والضغط الإنساني أداة لابتزاز المقاومة وشعب غزة، بهدف تمرير صيغة حكم تُفصل على مقاساتها، بعيداً عن أي قبول باستمرار المؤسسات القائمة حالياً.

أما ملف أسرى الاحتلال، الذي شكّل عنوانًا رئيسيًا للحرب، فقد أثبت عجز الاحتلال عن استعادته بالقوة. فعلى مدار أشهر القتال واستخدام كل أدوات الاستخبارات والدعم التقني الغربي، أخفقت إسرائيل في تحرير الأسرى أو تصفيتهم، مما عزز قاعدة ثابتة: أن التفاوض هو المسار الوحيد لاستعادتهم، وهو ما يقوض دعاية الحسم العسكري، ويدفع نتنياهو للبحث عن صيغ ضغط جديدة عبر تجويع السكان وتهديد العودة للحرب.

وفي ظل هذا الفشل الميداني والاستراتيجي، يبقى الغائب الأكبر هو أي رؤية إسرائيلية أو دولية واضحة لليوم التالي في غزة. وبينما تتمسك المقاومة الفلسطينية بموقف راسخ أن مستقبل القطاع يُحسم بتوافق وطني داخلي، يتواصل غياب أي مبادرة فلسطينية موحدة، فيما تعجز الأطراف الإقليمية والدولية عن فرض سيناريو مستدام، ليظل المشهد معلقًا بين العجز الإسرائيلي، والتعطيل الإقليمي، والفراغ السياسي الفلسطيني.

أولويات المقاومة... بين الصمود والتهدئة

في ظل تعقيدات المشهد الراهن، تتركز أولويات المقاومة الفلسطينية على حماية مثلث قوتها الاستراتيجي، المتمثل في: القدرة على المواجهة الميدانية، وصمود الحاضنة الشعبية، وورقة أسرى الاحتلال.

هذه الأركان الثلاثة هي الضمانة الأساسية لاستمرار الفعل المقاوم، والحفاظ على زمام المبادرة في مواجهة محاولات الاحتلال والولايات المتحدة فرض وقائع جديدة على الأرض.

تدرك المقاومة أن الحفاظ على صلابة هذا المثلث يتطلب أولاً تمديد فترات الهدوء لأطول مدة ممكنة، بهدف التقليل من الضغط على الحاضنة الشعبية التي تتعرض لحصار وتجويع ممنهج، مع تزايد الرهان الإسرائيلي والأميركي على دفع السكان نحو خيار "الهجرة الطوعية"، بعد الفشل في تحقيق التهجير القسري خلال الأشهر الأولى من الحرب.

ولهذا، يصبح إلزام الاحتلال بتطبيق البروتوكول الإنساني أولوية محورية، لضمان تدفق المساعدات والحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الصمود.

في الجانب العسكري، تحتاج المقاومة إلى إعادة بناء قدراتها وترميم بنيتها التحتية التي استنزفتها المعارك الضارية المستمرة منذ أكثر من عام. ومع غياب خطوط الإمداد الخارجية، يصبح الزمن أداة استراتيجية، حيث يشكل التمديد الهادئ للتهدئة فرصة لإعادة ترتيب الصفوف وتأهيل الجاهزية لأي مواجهة قادمة.

أما ورقة الأسرى، فتظل أعظم أدوات الضغط المتبقية بيد المقاومة، وأي تفريط مجاني بها يعني خسارة وزنها التفاوضي ومصدر قوّتها السياسي. وفي هذا السياق، يمثل "مقترح ويتكوف" تهديدًا صريحًا لهذه الورقة، إذ ينص على الإفراج المرحلي عن الأسرى دون مقابل حقيقي، ولا يقدّم أي التزام بوقف شامل للحرب أو استكمال الانسحاب من النقاط الاستراتيجية، وعلى رأسها محور فيلادلفيا.

أمام هذا المشهد، تجد المقاومة نفسها أمام معادلة بالغة التعقيد: رفض المقترح يعني المخاطرة بالعودة إلى حرب مفتوحة بغطاء أميركي وتصعيد إسرائيلي أكثر دموية وتجويعًا وتهجيرًا، فيما القبول به قد يؤدي إلى استنزاف أوراق القوة دون مكاسب موازية.

ولذا، تحتاج المقاومة إلى مقاربة دقيقة تجمع بين الصلابة في حماية مكتسباتها، والمرونة في إدارة التفاوض لانتزاع أفضل صيغة تضمن مصالح الشعب الفلسطيني وتمنع سقوط غزة في قبضة مخططات الاحتلال الطويلة الأمد.

السبل المتاحة... استراتيجية التوازن بين الميدان والسياسة

في ظل مشهد بالغ التعقيد تزداد خطورته مع الانحياز الأميركي المطلق بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي ذهب أبعد من تصفية القضية الفلسطينية إلى محاولة تصفية الوجود الفلسطيني نفسه، تجد المقاومة الفلسطينية نفسها أمام ضرورة صياغة مقاربة تكاملية توازن بين الفعل الميداني والتحرك السياسي، بما يضمن الحفاظ على أوراق القوة وتخفيض المخاطر المترتبة على أي عودة واسعة للحرب.

يدرك الاحتلال، وخاصة بنيامين نتنياهو، أن مصلحته المباشرة تكمن في إطالة أمد الحرب، حمايةً لائتلافه الحكومي وتفاديًا لمحاكمته، واستثمارًا للدعم الأميركي لفرض وقائع استراتيجية في الأراضي الفلسطينية ولبنان وسوريا.

في المقابل، تسعى المقاومة إلى تأمين أطول فترة ممكنة من الهدوء، تحولها تدريجيًا إلى مسار ثابت لوقف إطلاق النار، مع البناء عليها سياسيًا لخلق توازن يفرض على الاحتلال الالتزام بالتهدئة، ويمنح الفلسطينيين متنفسًا ميدانيًا وإنسانيًا.

وتبدو البداية عبر فتح مسار تفاوضي جديد لتبادل الأسرى، لا بالضرورة وفق شروط مقترح ويتكوف المجحف، بل عبر تمديد المرحلة الأولى ضمن اتفاق مرحلي يضمن تحرير دفعات محدودة من الأسرى مقابل مفاتيح جديدة للتبادل، وتثبيت قواعد إنسانية واضحة، تشمل إدخال المساعدات، وبدء إعادة الإعمار، وترميم البنية التحتية، وتوفير الحماية للعودة التدريجية إلى شمال القطاع الذي يظل هدفًا دائمًا لمحاولات التهجير القسري في أي عدوان مقبل.

وضمن هذه الاستراتيجية، يصبح تعزيز الحراك الإقليمي والدولي لدعم غزة أولوية موازية، خاصة عبر توافق فلسطيني-عربي حول صيغة "اليوم التالي" في القطاع، بما يُشكّل عرضًا سياسيًا واضحًا للإدارة الأميركية بوصفه البديل العملي عن استمرار الحرب، ويحوّل دعم واشنطن – إذا تحقق – إلى أداة ضغط على حكومة الاحتلال لدفعها نحو تسوية حقيقية.

لكن نجاح هذه الرؤية التكاملية يبقى مرهونًا بإنجاز توافق فلسطيني داخلي يُقدّم المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية الضيقة، ويوفّر غطاءً سياسيًا موحدًا لإدارة المعركة بمرونة وحكمة، مع ضمان استمرار المقاومة في إدارة ورقة الأسرى بتدرج يحقق مكاسب تراكمية، ويقود في النهاية إلى انتزاع وقف شامل للعدوان، وفرض خطة جدية لإعادة إعمار القطاع كجزء من تثبيت معادلة ردع طويلة الأمد بوجه الاحتلال.