لم يعد النقاش الدائر حول سلاح المقاومة في غزة مجرد نقاش أمني أو عسكري، بل أصبح عنوانًا للصراع على شكل المرحلة المقبلة، وهوية النظام السياسي الفلسطيني، وطبيعة العلاقة بين الاحتلال والمقاومة، ومستقبل القضية الفلسطينية بأكملها. فالمسودة المتداولة لا تتحدث عن بند تقني يتعلق بجمع السلاح، وإنما ترسم تصورًا كاملًا لإعادة تشكيل غزة سياسيًا وأمنيًا وإداريًا بعد الحرب.
ومن هنا، فإن قراءة هذه المسودة بعين واحدة، سواء باعتبارها «استسلامًا كاملًا» أو «انتصارًا سياسيًا»، لا تبدو قراءة دقيقة؛ لأن ما يجري هو صراع إرادات معقد، تحاول فيه جميع الأطراف توظيف الاتفاق لخدمة مشروعها الاستراتيجي.
أولًا: إسرائيل لا تبحث عن السلاح فقط
إذا كان ظاهر الاتفاق يدور حول السلاح، فإن جوهره يتمحور حول إنهاء البيئة التي أنتجت المقاومة.
فإسرائيل تدرك أن تجربة السابع من أكتوبر لم تكن مجرد تراكم للأسلحة، بل كانت نتاج منظومة كاملة تشمل العقيدة، والتنظيم، والقيادة، والبنية المجتمعية، والخبرة القتالية، والإرادة الشعبية. ولذلك، فإن مشروعها الحقيقي يتجاوز جمع السلاح إلى إعادة هندسة القطاع سياسيًا وأمنيًا، عبر سلطة جديدة، وأجهزة أمن جديدة، وقوة دولية، وإدارة مدنية منفصلة عن المقاومة.
وبعبارة أخرى، فإن هدف نتنياهو هو الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة نتائجها، ومن تدمير القدرات العسكرية إلى منع إعادة إنتاجها.
ثانيًا: المقاومة تفاوض من موقع الخسارة التكتيكية لا الهزيمة الاستراتيجية
لا يمكن تجاهل حجم الكلفة الإنسانية والعسكرية والسياسية التي تحملتها غزة خلال سنوات الحرب، كما لا يمكن تجاهل أن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية ليس خيارًا واقعيًا لشعب يعيش كارثة غير مسبوقة.
لكن، في المقابل، فإن قبول المقاومة بمناقشة ملف السلاح لا يعني بالضرورة قبولها بتسليمه فورًا، وإنما يعكس انتقالها إلى إدارة الصراع بأدوات سياسية، بعد أن استنفدت المواجهة العسكرية معظم أهدافها المباشرة.
وتشير الصيغة الفلسطينية إلى محاولة تحويل ملف السلاح من مطلب إسرائيلي مباشر إلى مسار فلسطيني مشروط، مرتبط بوقف الحرب، والانسحاب، وتمكين الإدارة الفلسطينية الجديدة، ووجود ضمانات دولية، مع بقاء عملية الحصر والتخزين تحت إدارة فلسطينية، وليس تحت سلطة الاحتلال.
وهذا يفتح الباب أمام مساحة واسعة للمناورة السياسية، خصوصًا إذا استمر نتنياهو في عدم تنفيذ التزاماته، وهو احتمال تؤيده تجارب طويلة مع الاتفاقات السابقة.
ثالثًا: العقدة الحقيقية ليست السلاح... بل الثقة
تكاد جميع النقاشات تدور حول سؤال واحد: هل ستسلم المقاومة سلاحها؟
لكن السؤال الأكثر أهمية ربما يكون: هل يمكن الوثوق بأن إسرائيل ستنفذ ما عليها أصلًا؟
فالتجربة التاريخية تشير إلى أن إسرائيل كثيرًا ما نفذت ما يخدم مصالحها، بينما عطلت أو أعادت تفسير البنود التي تلزمها بالانسحاب أو وقف الاعتداءات.
ولهذا، فإن أكبر نقطة ضعف في أي اتفاق ليست النصوص نفسها، وإنما آليات التنفيذ، وجدولها الزمني، وتعريف المصطلحات، والتزامن بين الالتزامات، والضمانات الملزمة للطرفين.
فالحديث عن «السلاح الثقيل»، أو «الميليشيات»، أو «التحقق»، أو «المناطق المنزوعة السلاح»، يظل قابلًا لتفسيرات متعددة إذا لم تُحسم تعريفاته بصورة دقيقة، وهو ما قد يفتح المجال أمام خلافات كبيرة أثناء التنفيذ.
رابعًا: المقاومة بعد الحرب لن تكون كما قبلها
حتى لو توقف القتال، فإن تجربة السابع من أكتوبر فرضت تحولات عميقة في طبيعة الحروب.
فالحروب الحديثة لم تعد تقوم فقط على الصواريخ والأنفاق، بل أصبحت تعتمد على الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والقدرات اللامركزية، والعمل الاستخباري، والمرونة التنظيمية.
وبالتالي، فإن اختزال مفهوم المقاومة في مخازن السلاح التقليدية يتجاهل أن أدوات القوة نفسها تتغير باستمرار.
ولهذا، فإن أي حركة تحرر تسعى إلى البقاء ستكون مطالبة بإعادة بناء منظومتها الفكرية والعسكرية والتنظيمية بما يتناسب مع طبيعة الصراع القادم، لا مع طبيعة الحرب الماضية.
خامسًا: بين الواقعية والثوابت
ليس من الواقعية الاعتقاد بأن الاحتلال سيمنح الفلسطينيين حقوقهم طوعًا، كما ليس من الحكمة تجاهل حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
ومن هنا، تبدو المعضلة الفلسطينية اليوم أكثر تعقيدًا من مجرد الاختيار بين «السلاح» و«الاتفاق».
فالسياسة الناجحة ليست تلك التي تفرط بالثوابت، ولا تلك التي ترفض كل أدوات المناورة، وإنما هي التي تحافظ على الأهداف الاستراتيجية، وتُحسن إدارة الوسائل وفق موازين القوى والمتغيرات.



