متابعة - شبكة قُدس: تشهد الساحة السياسية داخل الاحتلال الإسرائيلي تصاعدًا غير مسبوق في حدة الانقسامات الداخلية، على خلفية أزمة تجنيد اليهود المتدينين "الحريديم"، وهي أزمة باتت تهدد استقرار الائتلاف الحاكم وتعمّق حالة الاستقطاب داخل الجمهور الإسرائيلي.
وفي أحدث فصول هذه الأزمة، اتهم رئيس حزب "يسرائيل بيتنا" المعارض أفيغدور ليبرمان رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بقيادة "إسرائيل" نحو حرب داخلية، من أجل الحفاظ على حكومته ومنع انهيار الائتلاف الحاكم.
وقال ليبرمان، الذي شغل سابقًا منصب وزير الحرب، في منشور عبر منصة "إكس"، إن "حكومة بنيامين نتنياهو تجر إسرائيل إلى حرب داخلية من أجل التمسك بالسلطة لعدة أيام إضافية"، وذلك عقب احتجاجات واسعة نظمها آلاف الحريديم ضد اعتقال متهربين من الخدمة العسكرية.
وجاءت تصريحات ليبرمان بعد يوم شهد خروج قوافل سيارات من 19 مدينة باتجاه السجن العسكري رقم 10 في مستوطنة كفار يونا، احتجاجًا على اعتقال شبان متدينين رفضوا الالتحاق بالخدمة العسكرية.
كما نشر صورة لشرطي إسرائيلي وسط حشد من المحتجين الحريديم، وعلق عليها بالقول إن "المظاهر التي رأيناها عار"، معتبرًا أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لسياسات حكومة تمنح، بحسب وصفه، غطاءً للمتمردين على القانون.
أزمة تهدد الحكومة
وتُعد قضية تجنيد الحريديم من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل جمهور الاحتلال، إذ يشكل اليهود المتدينون المتشددون نحو 13% من السكان، ويتمتع قسم كبير منهم بإعفاءات من الخدمة العسكرية بحجة التفرغ للدراسة الدينية.
غير أن المحكمة العليا لدى الاحتلال أصدرت في حزيران/يونيو 2024 قرارًا يلزم الحريديم بالتجنيد الإجباري، كما قضت بوقف التمويل الحكومي للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها أداء الخدمة العسكرية.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت المواجهة بين الأحزاب الحريدية وبقية القوى السياسية، وسط تحذيرات من أن تتحول الأزمة إلى أحد أبرز عوامل إسقاط الحكومة.
وفي محاولة لتفادي هذا السيناريو، توصل نتنياهو مؤخرًا إلى تفاهمات مع الأحزاب الحريدية أدت إلى تأجيل التصويت على مشروع حل الكنيست، مقابل التزام حكومته بالدفع نحو تشريعات جديدة تستجيب لمطالب الأحزاب الدينية.
وتشمل هذه المطالب منح إعفاءات واسعة من الخدمة العسكرية ومنع اعتقال المتهربين من التجنيد، وهو ما أثار انتقادات حادة من أحزاب المعارضة التي تتهم نتنياهو باستخدام الملف كورقة سياسية للبقاء في السلطة وتجنب انتخابات مبكرة.
انتقادات أوسع لحكومة نتنياهو
ولا تقتصر الانتقادات على المعارضة السياسية فقط، بل تمتد إلى كتاب ومحللين إسرائيليين يرون أن الأزمة الحالية تعكس فشلًا أعمق في إدارة شؤون الاحتلال.
وفي هذا السياق، كتب الصحفي الإسرائيلي إفرايم غانور في صحيفة "معاريف" أن الاحتلال يعيش "أدنى مراحله" منذ تأسيسه، مشيرًا إلى تدهور الوضع الأمني بعد عامين من الحرب، وتراجع الحوكمة، وانعدام الأمن الشخصي، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع التعليم، وازدياد الوفيات في حوادث الطرق.
ويرى غانور أن الحكومة منشغلة بمحاولة إعادة تشكيل الرواية المتعلقة بأحداث السابع من أكتوبر، في الوقت الذي تتجاهل فيه الأزمات الداخلية المتفاقمة.
كما انتقد ما وصفه بسعي الحكومة إلى تمكين الحريديم من التهرب من الخدمة العسكرية، معتبرًا أن هذا القطاع يحصل على امتيازات واسعة وميزانيات كبيرة، بينما يتزايد شعور قطاعات أخرى من الجمهور الإسرائيلي بعدم المساواة في تحمّل الأعباء.
أزمة قيادة ومعارضة ضعيفة
ووجّه الكاتب انتقادات كذلك إلى المعارضة الإسرائيلية، معتبرًا أنها فشلت في استثمار حالة السخط الشعبي المتزايدة، واكتفت بالتصريحات والخطابات دون بناء حراك سياسي قادر على إحداث تغيير فعلي.
وأشار إلى أن حالة اللامبالاة التي تسود قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي تشكل أحد أخطر مظاهر الأزمة الحالية، لأنها تمنح الحكومة مساحة للاستمرار رغم تزايد الانتقادات الموجهة إليها.
واستحضر غانور تجربة ما بعد حرب عام 1973، حين أدت موجة الاحتجاجات إلى ظهور قوى سياسية جديدة أحدثت تحولًا في المشهد السياسي الإسرائيلي، متسائلًا عن غياب حركات مماثلة في المرحلة الحالية رغم حجم الأزمات والتحديات.
ويرى أن الاحتلال يقف اليوم أمام أزمة مركبة تتجاوز الخلاف حول تجنيد الحريديم، لتشمل أزمة ثقة متنامية في القيادة السياسية، وتراجعًا في فعالية المعارضة، واتساعًا في الانقسامات الاجتماعية والدينية، وهي عوامل تدفع مزيدًا من الأصوات داخل الاحتلال إلى التحذير من تداعيات قد تهدد استقراره الداخلي خلال المرحلة المقبلة.



