شبكة قدس الإخبارية

كيف نقل المستوطنون معركة التهجير إلى شرق رام الله؟

N_THE_WEST_BANK-1687371782

متابعة - شبكة قُدس: في الوقت الذي سطر فيه المستوطنون وحكومة الاحتلال موجات لتهجير التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية المحتلة، كانت خريطة أخرى تتشكل بهدوء حول رام الله، حيث تصاعدت اعتداءات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية بوتيرة غير مسبوقة، وسط مخاوف من محاولة فرض نموذج جديد من التهجير التدريجي يستهدف الفلسطينيين.

وخلال الأسابيع والأشهر الأخيرة، شهدت قرى وبلدات شمال وشرق وشمال شرق رام الله سلسلة متواصلة من الاعتداءات التي تنوعت بين إحراق المنازل والمركبات والمساجد، وتجريف الأراضي الزراعية، وسرقة المواشي، وتخريب البنية التحتية، وإقامة بؤر استعمارية جديدة، وصولاً إلى الاعتداء المباشر على المواطنين والمزارعين.

وبحسب رصد "شبكة قُدس" الذي استند إلى معطيات محلية وتقارير ميدانية، سُجلت ما لا يقل عن 28 واقعة اعتداء وعربدة نفذها مستعمرون في محيط رام الله خلال الأسبوعين الأخيرين، تركزت في بلدات سنجل، وجلجليا، وبرقا، ودير دبوان، وكفر مالك، وبيتين، وترمسعيا، والطيبة، وعطارة، وأم صفا، ودير أبو مشعل، وغيرها من القرى.

وعلى مدار العامين الماضيين، نجحت جماعات استيطانية، تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، في دفع عدد من التجمعات البدوية إلى الرحيل عن مناطق سكنها التقليدية في الأغوار والبادية الفلسطينية، عبر سياسة تقوم على الترهيب المتواصل، ومنع الرعي، ومهاجمة السكان، والاستيلاء على مصادر المياه والمراعي.

واليوم، يرى مسؤولون وناشطون أن جزءاً من هذه المجموعات الاستيطانية بدأ يوجه جهوده نحو مناطق تتمتع بأهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي واتصالها بالأراضي الزراعية الواسعة التي تفصل بين الكتل الاستيطانية المنتشرة في المنطقة.

وهذه الاعتداءات لم تعد تقتصر على أحداث متفرقة أو فردية، بل باتت تأخذ طابعاً منظماً ومتكرراً، يهدف إلى خلق بيئة طاردة للحياة الفلسطينية.

وفي بلدة سنجل وحدها، تكررت الاعتداءات على المزارعين أثناء حصاد محصول القمح، كما نفذ المستعمرون عمليات تجريف وتخريب في منطقة "بطن الحلاوة"، وأطلقوا مواشيهم داخل الأراضي الزراعية لإتلاف المحاصيل، إضافة إلى اقتحام مناطق زراعية شمال البلدة وتدمير مزروعات الأهالي.

أما في كفر مالك ودير دبوان وبيتين وبرقا، فقد تكررت اقتحامات الأراضي الزراعية وإحراق الممتلكات لمحاولة إقامة وقائع استيطانية جديدة على الأرض، في مؤشر يربطه السكان بمحاولات فرض سيطرة فعلية على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.

ويؤكد رؤساء هيئات محلية أن الزراعة، التي تشكل مصدر دخل رئيسي لآلاف العائلات، أصبحت هدفاً مباشراً للاعتداءات، بما يحول الأرض من مصدر رزق إلى ساحة مواجهة يومية.

ومن بين أكثر الاعتداءات دلالة خلال الفترة الأخيرة إحراق مسجد في قرية جلجليا شمال رام الله، ومحاولة إحراق مسجد النور في قرية برقا، إضافة إلى إحراق مركبات وممتلكات خاصة في برقا ودير دبوان وترمسعيا وشقبا.

كما تعرض خط المياه الرئيسي في قرية أم صفا للتدمير، فيما شهدت عدة قرى هجمات ليلية واقتحامات متكررة لمناطق سكنية وزراعية.

ويرى مراقبون أن استهداف المساجد والمنازل والبنية التحتية يتجاوز البعد المادي للخسائر، ليحمل رسالة ترهيب مباشرة للسكان، مفادها أن وجودهم نفسه بات مستهدفاً.

وبالتوازي مع الاعتداءات الميدانية، تشهد المنطقة توسعاً متسارعاً للبؤر الاستيطانية، وتقول هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن حكومة الاحتلال أقرت منذ تشكيلها قبل نحو ثلاثة أعوام ونصف إقامة 103 مواقع استعمارية جديدة، تشمل مستعمرات جديدة وبؤراً استعمارية وأحياء يجري تحويلها إلى مستعمرات مستقلة.

كما حذرت الهيئة من توجه حكومة الاحتلال لتخصيص ما يقارب مليار شيقل لتطوير عشرات المواقع الاستعمارية الجديدة في الضفة الغربية، من خلال توفير البنية التحتية والخدمات الأساسية اللازمة لترسيخ وجودها على الأرض.

ويلاحظ رؤساء المجالس القروية في شمال شرق رام الله أن معظم الاعتداءات الأخيرة تزامنت مع إنشاء بؤر جديدة أو محاولات لتوسيع بؤر قائمة، ما يعزز الاعتقاد بأن عنف المستعمرين بات جزءاً من عملية التوسع الاستيطاني نفسها.

دفع الشباب إلى الرحيل

رغم أن القرى المستهدفة تختلف عن التجمعات البدوية من حيث الحجم والكثافة السكانية، إلا أن كثيراً من سكانها يبدون مخاوف متزايدة من أن يكون الهدف النهائي هو دفع السكان، وخاصة الشباب، إلى البحث عن حياة أكثر أمناً خارج قراهم.

وتبرز هذه المخاوف بشكل خاص في بلدات مثل ترمسعيا وكفر مالك والطيبة والمزرعة الشرقية، حيث تحمل أعداد ملحوظة من العائلات الجنسية الأمريكية أو ترتبط بأبناء يقيمون في الولايات المتحدة.

ويقول سكانها إن استمرار الاعتداءات وغياب الحماية الفعلية للأراضي والممتلكات يضع الأجيال الشابة أمام خيارات صعبة، بين البقاء في ظل واقع أمني واقتصادي متدهور أو البحث عن مستقبل خارج البلاد.

ويعتبر ما يجري في قرى رام الله جزءاً من مشهد أوسع يترافق مع تسارع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، فبعد أن تركز الضغط خلال السنوات الماضية على التجمعات البدوية والرعوية، تشير الوقائع الميدانية إلى انتقال متزايد للاعتداءات نحو القرى الفلسطينية المأهولة، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض وتوسيع النفوذ الاستيطاني على حساب الوجود الفلسطيني.

وتمثل الاعتداءات الحالية مقدمة لمحاولة استنساخ نموذج التهجير الذي شهدته بعض التجمعات البدوية، ولكن هذه المرة في قلب القرى الفلسطينية المحيطة برام الله.

ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرين ما مجموعه 1659 اعتداء خلال شهر أيار الماضي، في استمرار لنهج الإرهاب المنهجي الذي تمارسه دولة الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني وأراضيه وممتلكاته.

ومجمل هذه الاعتداءات تركزت بشكل أساسي في محافظتي الخليل ورام الله، تلتها محافظة نابلس وبيت لحم في مؤشر واضح على كثافة الاستهداف المنهجي لهذه المناطق.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0