لطالما كانت إسرائيل وداعموها يتغنون بأنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وهذه العبارة الدعائية كانت على الدوام المحور الأساسي لأي نقاش حول طبيعة إسرائيل وكونها عنصرا غريبا على الإقليم، والمنطقة العربية المحيطة بها.
هذه العبارة التي تغنى بها السياسيون الإسرائيليون- ولا يزالون كذلك للمفارقة- كان الهدف منها المزايدة على العالم العربي بغياب الديمقراطية الحقيقية فيه، وادعاء غياب حرية التعبير والرأي في أنظمة الحكم الشمولية في منطقة الشرق الأوسط ككل، كما يدعي ساسة الاحتلال.
وذلك في مقابل "واحة الديمقراطية والحرية" التي يتم فيها تداول السلطة بشكل حقيقي بالاحتكام إلى الشعب، والتي يمكن لأي شخص فيها أن يقول ما يشاء أو يفعل ما يشاء دون محاسبة. وكأن بقية العالم العربي ليس أكثر من سجون وخرائب لا تعرف من الحضارة شيئا.
غير أن السنوات الأخيرة التي شهدت ذلك الصعود التاريخي لليمين القومي ثم لتيار الصهيونية الدينية في إسرائيل كشفت عن صورة مختلفة تماما باتت تعيشها هذه الدولة، إذ لم يعد لأحد فيها اليوم أن يدعي أصلا أن إسرائيل ديمقراطية ليبرالية غربية كحال الديمقراطيات الغربية اليوم.
وإنما بات الاستقطاب الحاد في المجتمع الإسرائيلي ينحصر اليوم بين اليمين القومي من جهة واليمين الديني من جهة أخرى، فيما لم يعد فيها للأحزاب والأفكار الليبرالية الغربية التي أنشأت الدولة عام 1948 مكان تقريبا في خريطة القوى الفاعلة في إسرائيل.
لم تعد إسرائيل تبدو، في ظل صعود تيار الصهيونية الدينية، تلك الدولة الليبرالية الغربية التي سعت طويلا إلى تقديم نفسها بها، بل باتت تقترب بشكل متسارع من نموذج "المملكة الثيوقراطية" التي تدار فيها السياسة باعتبارها امتدادا للعقيدة الدينية والقومية، لا باعتبارها عقدا مدنيا بين مواطنين متساوين.
فالأزمة الإسرائيلية الراهنة لم تعد مجرد خلاف سياسي عابر بين حكومة ومعارضة، ولا مجرد انقسام حول شخصية بنيامين نتنياهو أو مستقبله السياسي، وإنما تحولت إلى صراع عميق حول طبيعة الدولة نفسها: هل تبقى دولة ذات مؤسسات ليبرالية حديثة كما أرادها مؤسسوها وقدموها للعالم (ولا سيما ديفيد بن غوريون)، أم تتحول إلى كيان تعاد فيه صياغة القانون والسيادة والهوية العامة وفق تصورات دينية وقومية مغلقة؟
منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية عام 2022، بدا أن التيار الصهيوني الديني لم يعد مجرد شريك داخل النظام الإسرائيلي، بل أصبح القوة الأكثر تأثيرا في إعادة تعريف الدولة ومؤسساتها ووظائفها السياسية والاجتماعية، وانتقلت رؤيته الفكرية من هامش السياسة الإسرائيلية إلى مركز صناعة القرار.
فقد كانت الصهيونية الدينية، لعقود طويلة، تقدم داخل إسرائيل باعتبارها تيارا أيديولوجيا محدود التأثير والحضور، يتركز حضوره الأساسي في بعض المستوطنات في الضفة الغربية والبيئات الدينية القومية المتشددة.
أما اليوم، فقد أصبحت هذه الرؤية هي الإطار الناظم لسياسات الدولة في ملفات مركزية مثل القضاء، والاستيطان، والتعليم، والهوية العامة، وحتى تعريف العلاقة بين الدين والدولة.
هذا التيار اليوم بات يسيطر تقريبا على جميع مؤسسات الدولة، ليس بالضرورة من خلال أحزابه مباشرة، بل حتى من خلال أعضاء يتبعون فكريا لهذا التيار في قلب حزب الليكود الحاكم نفسه.
وربما لم يعد هناك جهاز لم يتمكن هذا التيار من السيطرة عليه بعد إلا السلك القضائي الذي لا يزال حتى الآن عصيا على السيطرة- بالرغم من جهود نتنياهو لإضعافه.
فالمحكمة العليا الإسرائيلية كانت بالنسبة للتيارات اليمينية والدينية المتشددة تمثل إحدى آخر المؤسسات القادرة على الحد من اندفاع المشروع القومي الديني، سواء فيما يتعلق بالاستيطان أو صلاحيات الحكومة أو حقوق الأقليات.
ولذلك لم يكن مستغربا أن يتحول الصراع حول القضاء إلى معركة وجودية داخل المجتمع الإسرائيلي حتى قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
هذه المسألة ليست تفصيلا إداريا، ففي الدولة الليبرالية حسب التعريف الغربي، لا تكفي الانتخابات وحدها لصناعة الديمقراطية؛ إذ لا بد من قضاء مستقل، وحقوق أقليات، ومؤسسات قادرة على تقييد السلطة.
أما حين تصبح المحكمة العليا والنيابة العامة وأجهزة الرقابة عوائق أمام إرادة ائتلاف ديني قومي، فإن "الديمقراطية" تتحول إلى مجرد آلية عددية تمنح الأغلبية حق إعادة تشكيل الدولة وفق تصور أيديولوجي واحد، وهو ما يجري حاليا في إسرائيل.
في المقابل، لا تخفي قيادات الصهيونية الدينية موقفها الحقيقي من فكرة "الديمقراطية الليبرالية" ذاتها. ففي خطاب هذا التيار لا تعرف الديمقراطية باعتبارها منظومة لحماية الحقوق والحريات والتوازن بين السلطات كما هو المتعارف عليه في الديمقراطيات الغربية عموما، وإنما باعتبارها حكما للأغلبية اليهودية فقط، يحق لها إعادة تشكيل الدولة وفق هويتها العقدية والقومية.
ومن هنا يصبح القضاء المستقل، وحرية الإعلام، وحقوق الأقليات، وحتى بعض القيم الغربية الحديثة، عقبات ينبغي تقييدها أو تجاوزها، لا ركائز أساسية للدولة حسب رؤية أتباع هذا التيار.
ولعل هذه الرؤية تظهر الآن بوضوح أكبر في ملف الضفة الغربية والاستيطان. فحكومة الصهيونية الدينية الحالية لا تتعامل مع الاستيطان باعتباره قضية أمنية أو تفاوضية قابلة للنقاش السياسي كما كان الحال عليه في العقود الماضية، بل باعتباره واجبا دينيا وقوميا مرتبطا بفكرة "أرض إسرائيل الكاملة".
ولذلك لم يعد الحديث يدور فقط حول توسيع المستوطنات، بل حول فرض "السيادة اليهودية" الكاملة على الضفة الغربية، وإعادة صياغة الواقع القانوني والإداري بما يجعل الاحتلال أقرب إلى الضم الدائم غير المعلن.
هذا يعني أن المشروع لم يعد يكتفي بإدارة الاحتلال، بل يسعى إلى تحويله إلى نظام دائم: سيادة لليهود، وإدارة أمنية مؤقتة للفلسطينيين ريثما يتم التخلص منهم جميعا بالترانسفير، وتوسيع الاستيطان باعتباره رسالة دينية وقومية.
وبهذا المعنى، تفقد إسرائيل الآن قدرتها على تسويق نفسها بوصفها نموذجا ليبراليا غربيا في محيط "شرقي" غير ديمقراطي؛ لأنها تقترب في بنيتها السياسية من أنظمة تجعل الهوية الدينية أساس الشرعية، وتجعل المساواة المدنية مسألة ثانوية أو مؤجلة أو مشروطة.
وهنا تحديدا تتجلى الطبيعة الثيوقراطية للمشروع الجديد: فالأرض هنا لا تدار وفق القانون الدولي أو الاعتبارات السياسية الحديثة، بل باعتبارها وعدا دينيا وتاريخيا غير قابل للتنازل.
إذا كانت إسرائيل قد نجحت لعقود في تسويق نفسها بوصفها "جزيرة غربية" ليبرالية داخل شرق أوسط مضطرب، فإن صورتها الحالية أخذت تتآكل بصورة متسارعة حتى داخل الدوائر الغربية نفسها.
فالكثير من التحليلات في الصحافة ومراكز الدراسات الغربية لم تعد تتحدث عن أزمة سياسية عابرة، بل عن تغير بنيوي في طبيعة الدولة الإسرائيلية.
وهذا ما يفسر اتساع الانتقادات القادمة من شخصيات يهودية وغربية كانت تاريخيا من أكثر المدافعين عن إسرائيل، لكنها بدأت ترى أن المشروع الذي يتشكل حاليا يبتعد تدريجيا عن النموذج الليبرالي الذي طالما ادعت إسرائيل أنها تمثله في المنطقة والإقليم.
هذا الأمر لا يتعلق الأمر فقط بالسياسات تجاه الفلسطينيين، رغم أن هذا الملف يمثل المجال الأكثر وضوحا لهذا التحول، وإنما يمتد أيضا إلى الداخل الإسرائيلي نفسه؛ فتصاعد نفوذ الأحزاب الحريدية والدينية المتشددة انعكس على قضايا التعليم والحريات العامة ودور الدين في الحياة المدنية والخدمة العسكرية وقوانين الأحوال الشخصية. ولا أدل على ذلك من أزمة قانون تجنيد الحريديم التي أطاحت بحكومة نتنياهو بالكامل أخيرا.
ومن الواضح في ظل هذه الحكومة أن الدولة تبدو أقل استعدادا لفصل المجال السياسي عن المرجعيات الدينية، وأكثر ميلا إلى منح الشرعية السياسية للتصورات الأيديولوجية الدينية لأتباع هذه التيارات.
المفارقة هنا أن إسرائيل التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها نقيضا لـ"الدول الدينية" و"الممالك الثيوقراطية" في المنطقة كما كانت تصفها، صارت الآن تقترب بشكل متسارع جدا إلى الخصائص البنيوية للممالك الثيوقراطية القديمة.
فحين تصبح الهوية الدينية أساس الشرعية السياسية، وحين تعاد صياغة القوانين لخدمة مشروع ديني قومي، وحين يجري التعامل مع الأرض والسيادة باعتبارهما امتدادا لنصوص مقدسة لا لمبادئ القانون الدولي الحديث، فإن الفارق بين "الدولة القومية الدينية" و"المملكة الثيوقراطية" يصبح أضيق بكثير مما تحاول الخطابات الرسمية الإسرائيلية الإقرار به مهما حاولت.
لا تخفي المرجعيات الدينية للتيارات الحريدية وتيار الصهيونية الدينية رغبتها في أن تتحول إسرائيل إلى "دولة الحاخامات" أو "دولة الشريعة"، وهي في ذلك تتحاشى ذكر كلمة "مملكة" ما أمكنها.
ولكن الحقيقة هي أن النموذج الأقرب الذي تريده هذه المرجعيات هو في الحقيقة شكل من الملكية الدينية، بمعنى إلغاء فكرة الجمهورية والانتخابات بالكامل، وتحويل إسرائيل إلى نموذج معاصر من "مملكة الحشمونائيم" التاريخية، وهذه المملكة هي النموذج التاريخي الراسخ في الذهنية الإسرائيلية للمملكة الدينية التي حكمها رجال الدين بقوة شريعة التوراة بين القرنين الثاني والأول قبل الميلاد.
وهذا هو الاتجاه الذي تسير فيه إسرائيل حاليا حسب ما يريده أتباع التيارات اليمينية الدينية.
نقول ذلك بالرغم من أن لا أحد من المراجع الدينية والسياسية للتيارات اليمينية الدينية يجرؤ اليوم على ذكر كلمة "مملكة" في الخطاب المعادي لفكرة الجمهورية الديمقراطية التي قامت عليها إسرائيل الغربية، وإنما يكتفي بذكر ضرورة "تحكيم التوراة" في الحياة بالكامل.
ولعل عدم جرأة هذه التيارات على ذكر توصيف (مملكة) المطلوب لإسرائيل يرجع إلى أن من الثابت في العقلية الدينية التوراتية أن فكرة "المملكة" مرتبطة بقدوم المسيح المخلص، لأن هذا المسيح هو "ملك إسرائيل"، ولا يجوز لأحد بالتالي أن يدعو إلى ملكية أو نظام ملكي ثيوقراطي قبل ظهور هذا المسيح المنتظر.
ولذلك يذهب هؤلاء إلى البحث عن تثبيت الجوهر بدلا من التركيز على المظهر والاسم، فتصبح إسرائيل "مملكة دينية" وإن كانت باسم "دولة ديمقراطية".
صحيح أن إسرائيل لا تزال تحتفظ نظريا بانتخابات وتعددية حزبية ومؤسسات مدنية وصحافة نشطة، لكن الاتجاه العام يشير إلى تراجع مستمر في الوزن الفعلي- داخل بنية الدولة- للقيم الليبرالية الغربية التي تفاخر بها الإسرائيليون منذ إنشاء إسرائيل عشية النكبة حتى اليوم.
فالصراع الدائر اليوم في إسرائيل اليوم ليس صراعا على حكومة فقط، بل على تعريف إسرائيل نفسها: هل هي دولة غربية "حديثة" تحاول التوفيق بين هويتها اليهودية ومبادئ الدولة المدنية، أم تتحول بصورة متسارعة إلى كيان ملكي حاخامي تحكمه العقيدة القومية الدينية بوصفها المرجعية العليا للدولة والمجتمع والسيادة؟
الخلاصة أن إسرائيل الآن لم تتحول فقط إلى يمين أكثر تشددا، بل تحولت إلى كيان يعيد تعريف نفسه بلا رجعة: فإسرائيل انتقلت الآن من نموذج الجمهورية الليبرالية الغربية إلى نموذج مملكة قومية دينية متشددة، ترى في الدين والهوية الجماعية أساس الشرعية السياسية، حتى وإن أدى ذلك إلى تقويض الأسس الليبرالية التي قامت عليها صورة إسرائيل التقليدية أمام العالم.
وهذا هو التناقض الأكبر في خطابها التاريخي اليوم: الدولة التي طالما قدمت نفسها بوصفها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط صارت- تحت زعامة الصهيونية الدينية واليمين المتطرف- تمثل النموذج التي طالما زعمت أنها نقيضه.



