شبكة قدس الإخبارية

الكشف عن قاعدة إسرائيلية سرية ثانية في العراق 

getty_69ff92398c-1778356793

متابعة - شبكة قُدس: كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، عن معطيات صادمة بشأن وجود عسكري إسرائيلي سري داخل العراق، تمثل بقاعدتين في الصحراء الغربية استُخدمتا، لدعم عمليات الاحتلال ضد إيران وتقليص المسافة الجوية أمام الطائرات الإسرائيلية.

 ويفتح التقرير الباب أمام أسئلة خطيرة حول مدى اختراق سيادة العراق، ودور واشنطن المحتمل في التغطية على هذا الوجود، خاصة بعدما قاد اكتشاف راعٍ عراقي لإحدى القاعدتين إلى مقتله في ظروف غامضة عقب إبلاغه الجيش بما شاهده.

ووفق الصحيفة الأميركية، فإن "إسرائيل" أمضت العام الماضي لتحضير موقع سري في العراق من أجل استخدامه ضد إيران، فيما أكد مسؤولون عراقيون وجود موقع إسرائيلي آخر غير الذي كشفه راع قتل بعد ملاحقة شاحنته.

بحسب الصحيفة، تحولت رحلة الراعي العراقي عوض الشمري (29 عاماً) في صحراء النخيب جنوب غربي الأنبار إلى اكتشاف خطير، بعدما عثر مصادفة على موقع عسكري إسرائيلي سري شديد الحراسة يضم جنوداً ومروحيات وخياماً متمركزة حول مهبط للطائرات.

 وخلال محاولته العودة، تواصل الشمري مع القيادة العسكرية العراقية لإبلاغها بما شاهده، إلا أن رحلته انتهت بمقتله بعدما تعرضت الشاحنة التي كان يستقلها لإطلاق نار من مروحية.

وتشير المعلومات التي نقلها قبل مقتله، وفق "نيويورك تايمز"، إلى أنه كشف عن وجود قاعدتين أدارتْهما "إسرائيل" بشكل متقطع داخل الصحراء العراقية لأكثر من عام، في واحدة من أكثر الوقائع حساسية المتعلقة بالسيادة العراقية والصراع الإقليمي.

وبحسب مسؤولين عراقيين وإقليميين رفيعي المستوى، فإن القاعدة التي كُشف عنها في الصحراء العراقية استُخدمت من قبل "إسرائيل" لدعم عملياتها العسكرية ضد إيران، فيما كانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد أشارت سابقاً إلى وجود موقع إسرائيلي داخل العراق. 

كما أبلغ مسؤولون عراقيون صحيفة "نيويورك تايمز" بوجود قاعدة إسرائيلية ثانية غير معلنة في الصحراء الغربية أيضاً، ما يعزز مؤشرات على بنية عسكرية سرية أوسع داخل الأراضي العراقية.

ووفق مسؤولين في المنطقة، فإن القاعدة التي عثر عليها عوض الشمري كانت قائمة قبل الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة والاحتلال وإيران، واستُخدمت خلال المواجهة التي استمرت 12 يوماً في حزيران/ يونيو 2025. 

كما أفاد أحد المسؤولين بأن التحضيرات الإسرائيلية لإنشاء هذه القاعدة المؤقتة بدأت منذ أواخر عام 2024، ضمن استراتيجية تهدف إلى تجهيز مواقع نائية يمكن استخدامها كنقاط انطلاق لعمليات عسكرية مستقبلية.

وتشير إفادات شهود عيان ومسؤولين، وفق التقرير، إلى أن القاعدة التي اكتشفها عوض الشمري كانت معروفة لدى واشنطن منذ حزيران/ يونيو 2025، وربما قبل ذلك، ما يثير شكوكا واسعة بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة قد أخفت عن بغداد وجود قوات إسرائيلية على أراضيها. ونقلت الصحيفة عن النائب العراقي وعد القدو، الذي حضر جلسة إحاطة برلمانية سرية بشأن القضية، قوله إن ما جرى يمثل "استهتاراً صارخاً بسيادة العراق وحكومته وقواته، فضلاً عن كرامة الشعب العراقي".

كما كشف مسؤولان أمنيان عراقيان أن واشنطن طلبت من العراق إغلاق راداراته خلال حرب حزيران/ يونيو الماضية، وكذلك خلال الحرب التي اندلعت نهاية شباط/ فبراير، ما زاد اعتماد بغداد على القوات الأميركية في مراقبة أي تهديدات جوية أو عسكرية. وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن هذه المعطيات تطرح أسئلة محرجة حول ما إذا كان الجيش العراقي غافلاً عن الوجود الإسرائيلي، أم مدركاً له واختار تجاهله، في كلا الحالين بما يعكس هشاشة السيطرة العراقية الكاملة على أراضيها وسط التجاذب بين واشنطن وطهران. 

وفي هذا السياق، قال الجنرال علي الحمداني، قائد قوات غرب الفرات، إن الجيش العراقي كان يشتبه بوجود نشاط إسرائيلي في الصحراء الغربية لأكثر من شهر قبل أن يكشفه الراعي العراقي.  وأضاف: “حتى الآن، التزمت الحكومة الصمت حيال هذا الأمر”.

ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن المتحدث باسم قوات الأمن العراقية، الجنرال سعد معن، تأكيده أن العراق "لا يملك أي معلومات بشأن مواقع أي قواعد عسكرية إسرائيلية" داخل أراضيه، في موقف يعكس التباين بين التصريحات الرسمية العراقية وما كشفته مصادر أمنية وإقليمية. وبحسب مسؤولين أمنيين إقليميين، فإن القاعدة التي اكتشفها عوض الشمري كانت تُستخدم من قبل "إسرائيل" لأغراض الدعم الجوي، والتزود بالوقود، وتقديم العلاج الطبي، ضمن بنية عملياتية هدفت إلى تسهيل التحرك العسكري الإسرائيلي في المنطقة.

ووفق المصادر ذاتها، أُنشئت القاعدة أساساً لتقليص المسافة التي تقطعها الطائرات الإسرائيلية نحو إيران، وكان يفترض أن يكون وجودها مؤقتاً لخدمة عمليات عسكرية محددة، بينها حرب حزيران/ يونيو 2025، حيث أثبتت فاعليتها، بحسب مسؤولين في المنطقة. وفي سياق متصل، كان رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، قد أشار في خطاب سابق إلى أن نجاح العمليات العسكرية تحقق بفضل "التكامل والتمويه" بين سلاح الجو وقوات الكوماندوز البرية، في حين امتنعت القيادة المركزية الأميركية (البنتاغون) عن التعليق على أي نشاط إسرائيلي داخل العراق، مكتفية بإحالة الأسئلة إلى جيش الاحتلال.

إلا أن قادة عسكريين أميركيين سابقين بارزين، إلى جانب مسؤولين في البنتاغون ودبلوماسيين أميركيين خدموا في المنطقة، اعتبروا أن من غير المنطقي، في ظل العلاقات الوثيقة بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي، أن تكون القيادة المركزية الأميركية غير مطلعة على وجود نشاط إسرائيلي في غرب العراق.

 ومع ذلك، بقيت العمليات الإسرائيلية في الصحراء العراقية محاطة بسرية عالية، فيما واصلت المجتمعات البدوية في المنطقة إبلاغ القيادات العسكرية العراقية برصد تحركات ونشاطات غير اعتيادية، بحسب ما ذكره الجنرال علي الحمداني، قائد المنطقة، الذي أوضح أن الجيش اكتفى بالمراقبة عن بعد بعد الاشتباه بوجود قوات إسرائيلية، وطلب معلومات من الجانب الأميركي دون تلقي أي رد.

وفي سياق الأحداث، أشار أقارب ومسؤولون، من بينهم الجنرال فهيم الغرياطي، إلى أن عوض الشمري تواصل مع القيادة المحلية يوم اكتشافه الموقع، قبل أن ينقطع الاتصال به لاحقاً بشكل مفاجئ. وبعد يومين من البحث، عثرت عائلته على مركبته وجثته متفحمة في الصحراء، وفق روايات أقاربه، قبل أن تتعرض وحدة استطلاع عراقية لاحقاً لإطلاق نار أثناء اقترابها من المنطقة، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة آخرين، بحسب بيان رسمي. 

ومع تصاعد الغموض، تبادل مسؤولون عراقيون وأميركيون الاتهامات الضمنية، فيما أُحيلت القضية إلى البرلمان العراقي في جلسة سرية، وسط تأكيدات متباينة حول وجود قواعد إضافية في الصحراء الغربية، بين من يشير إلى موقع واحد مكتشف، وآخرين يتحدثون عن قاعدة ثانية غير معلنة.

وبحسب مسؤولين عراقيين بارزين، أحدهما سابق والآخر حالي، فإن البروتوكول الرسمي يفرض على واشنطن إبلاغ بغداد بأي أنشطة عسكرية على الأراضي العراقية، ما يعني – وفق تقديرهم – أن الولايات المتحدة إما أخفت وجود النشاط الإسرائيلي، أو أنها أبلغت القيادة العراقية العليا به ضمن ترتيبات شديدة السرية. إلا أن هؤلاء المسؤولين يستبعدون أن يكون القادة العراقيون على علم مسبق بوجود تلك القواعد قبل أن يكشفها الراعي عوض الشمري، مرجحين أنهم افترضوا في البداية أن المواقع تابعة للقوات الأميركية.

ومع أن القاعدة الأولى في النخيب لم تعد نشطة بحسب ما ورد، فإن مصير القاعدة الثانية لا يزال غير واضح، في ظل غياب معلومات رسمية حولها. وفي المقابل، تقول عائلة الشمري إن مقتله لم يُفتح بشأنه تحقيق جدي حتى الآن، معتبرة أن الحادث قوبل بالتجاهل، فيما قال ابن عمه أمير إن العائلة تطالب الحكومة العراقية بالتحقيق في ما جرى وكشف ملابساته، إضافة إلى ضمان احترام حقوقه ومحاسبة المسؤولين عنه.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0