شبكة قدس الإخبارية

المؤتمر الثامن.. بين نشيد البدايات وضجيج القوائم

WafaImage (1)-0cb686f3-8e9a-4d6b-9558-7af2674c0af1
ياسر أبو بكر

وأخيرًا .. ذهبنا لنأخذ قسطًا من الراحة. ثلاث ليالٍ طويلة من السهر، من الانتظار، من الأحاديث التي لا تنتهي، من الوجوه التي تحمل فتح فوق أكتافها كأنها ذاكرة وطن كاملة. وحين وضعت رأسي لأحاول النوم، لم يأتِ النوم سريعًا، لأن المؤتمر الثامن لحركة فتح لم يكن مجرد حدث تنظيمي عابر، بل كان أشبه بمرآة كبيرة رأيت فيها الحركة كلها: عظمتها، تعبها، تاريخها، وارتباكها أيضًا.

في اليوم الأول، شعرت بسعادة حقيقية.

سعادة صادقة لا يمكن إنكارها. كنت أجلس بين المئات من أبناء حركة فتح، رجال ونساء جاؤوا من المنافي والمخيمات والسجون والجامعات والقرى والمدن، يحملون ذلك الشوق القديم للحركة التي كانت يومًا تعريف الفلسطيني لنفسه. كانت القاعة ممتلئة بوجوه تشبه تاريخًا كاملًا من التعب الوطني. وحين ألقى الرئيس كلمته، كان واضحًا أن الرجل، رغم كل ما قيل ويقال، ما زال بالنسبة لكثيرين العمود الأخير في هذا البناء المتعب. لذلك لم يكن مستغربًا أن ينتهي المشهد بمبايعته وانتخابه مرة أخرى. فالحركات في لحظات القلق تميل دائمًا إلى الاحتماء بما تعرفه، لا بما تجهله.

خرجنا من اليوم الأول ونحن نظن أن اليوم التالي سيكون يوم المراجعة الكبرى.

قلنا ربما ستقف فتح أمام نفسها أخيرًا. ربما ستسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ ماذا أخطأنا؟ لماذا تراجعت صورتنا؟ لماذا يشعر كثير من أبناء الحركة أن المسافة أصبحت شاسعة بين القيادة والناس؟ كيف أُنهكت التنظيمات؟ ولماذا أصبحت القواعد أكثر تعبًا من الشعارات نفسها؟
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. كل ما كُتب قبل المؤتمر بدا وكأنه يتحقق حرفيًا.

قيل إن المؤتمر لن يكون مؤتمر مراجعة، بل مهرجانًا انتخابيًا ضخمًا .. وهذا ما حدث تمامًا. القضايا الكبرى لم تُطرح في القاعة، بل في الممرات. النقد لم يُقل على المنصة، بل همسًا في الزوايا. أما الأسئلة الثقيلة، فقد ظلت معلقة في الهواء كأن الجميع يخشى لمسها.
كان المشهد غريبًا ومؤلمًا في آنٍ واحد.

أعضاء المؤتمر، الذين يفترض أنهم نخبة الحركة وعقلها النقدي، لم يرفعوا أيديهم اعتراضًا على شيء. لم تحدث محاسبة حقيقية. لم تُفتح ملفات الأداء التنظيمي والسياسي. لم يقف أحد ليسأل: من يتحمل المسؤولية؟ ومن أخطأ؟ ومن يجب أن يعتذر للحركة قبل أن يطلب منصبًا جديدًا داخلها؟
وفي السياسة، حين تضيع لحظة المراجعة، تضيع معها شرعية الشكوى لاحقًا.

من لا يتكلم في لحظة الحقيقة، يفقد جزءًا من حقه في الاعتراض بعد ذلك. ثم بدأت الانتخابات تبتلع كل شيء.
رام الله كلها تحولت إلى مؤتمر موازٍ. الفنادق، الردهات، المقاهي، السيارات، الممرات، وحتى جلسات القهوة السريعة… الجميع يتحدث اللغة نفسها:
من سينجح؟
من سيسقط؟
أي قائمة أقوى؟
مَن تحالف مع مَن؟
ومَن خان مَن؟

وفجأة، اختفت فلسطين تقريبًا من النقاش. غابت غزة الجريحة. غابت الضفة المنهكة. غاب الأسرى الذين يذوبون في العتمة. غاب السؤال الكبير: ماذا بقي من مشروعنا الوطني أصلًا؟

أصبح كل شيء يدور حول المقاعد. ومع ذلك .. لا أستطيع أن أكون متشائمًا بالكامل.
لأن "فتح"، رغم كل هذا التعب، ما زالت تملك شيئًا لا تملكه التنظيمات الأخرى: القدرة العجيبة على البقاء. هذه الحركة تشبه الفلسطيني نفسه ،

تُرهَق لكنها لا تسقط، تتشظى لكنها لا تختفي، وتبقى قادرة دائمًا على إنتاج فرصة جديدة للحياة مهما بدا المشهد قاتمًا.
لكن الحقيقة القاسية أيضًا أن التاريخ لا يرحم الحركات التي تؤجل مراجعة نفسها طويلًا.
ولا يحمي أي تنظيمٍ ماضيه إن فقد شجاعته في نقد حاضره.

أما أكثر ما أثار الاستغراب في هذا المؤتمر، فكان الإدارة التنظيمية واللوجستية. قيل لنا إن الرجل الذي يدير المؤتمر إداري من الطراز الأول، لكن الفوضى التي رافقت التفاصيل، والارتباك، والضجيج، وسوء تنظيم بعض المحطات، لم تكن بمستوى حدث يفترض أنه المؤتمر الأهم للحركة منذ سنوات طويلة. بدا الأمر أحيانًا وكأن فتح، بكل ثقلها التاريخي، تحاول إدارة لحظة مصيرية بعقلية ارتجال يومي.

ومع ذلك، حين أغمضت عيني أخيرًا بعد تلك الليالي الطويلة، لم أشعر بالكراهية تجاه ما رأيت، بل بشيء أقرب إلى الحزن النبيل. حزن ابن الحركة على حركته. لأن فتح بالنسبة لنا ليست مجرد تنظيم سياسي؛ إنها عمر كامل، وذاكرة كاملة، وسنوات سجون ومنافي وشهداء وبيوت مهدمة وأحلام مؤجلة.

ولهذا بالذات، ما زلنا ننتقدها، لأننا نريد لها أن تبقى، لا أن تتآكل ببطء تحت ضجيج القوائم.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0