شبكة قدس الإخبارية

الإستراتيجية الإسرائيلية في غزة: دون الموت وأقل من الحياة

lthf2-1777370169
حسن لافي

إن قراءة السلوك الإسرائيلي بعد وقف الحرب على قطاع غزة، والتوقيع على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شرم الشيخ، إضافة إلى عدم التزام إسرائيل الكامل ببنود المرحلة الأولى من الاتفاق، تقود إلى استنتاج واضح مفاده أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر فقط على منع تكرار هجوم السابع من أكتوبر، بل يتجاوز ذلك إلى معاقبة غزة على أنها أنتجت تلك العملية، والعمل على تدمير البيئة السياسية والاجتماعية والأمنية التي سمحت بحدوثها.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحرب على غزة بالنسبة لإسرائيل ليست حدثًا انتهى بوقف إطلاق النار، وإنما مرحلة ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل القطاع ومستقبله. لذلك، فإن المخططات الكبرى الإسرائيلية لم تنتهِ بعد، وفي مقدمتها مشاريع التهجير الكلي أو الجزئي بهدف تغيير الخارطة الديموغرافية في غزة، إلى جانب إنشاء مساحات واسعة شرق وشمال وجنوب القطاع تتحول إلى أحزمة أمنية دائمة لحماية مستوطنات غلاف غزة من أي تهديد فلسطيني مستقبلي.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم السلوك الإسرائيلي بعد الحرب، إذ إن إسرائيل لم تسمح حتى الآن لغزة بالتعافي الحقيقي أو حتى بالتقاط الأنفاس بعيدًا عن الشروط الأمنية الإسرائيلية. فكل ما يتعلق بالإعمار أو المساعدات أو الحركة الاقتصادية يخضع لحسابات أمنية صارمة، بما يبقي القطاع في حالة إنهاك دائم تحول دون استعادة أي شكل من أشكال الاستقرار.

وهنا يجدر الانتباه إلى أن الرهان على تغير الخارطة السياسية داخل إسرائيل بعد أي انتخابات باعتباره مدخلًا لتغيير السياسة تجاه غزة، يبدو رهانًا في غير محله. فهناك شبه إجماع داخل إسرائيل، سياسيًا وأمنيًا، على ضرورة فرض واقع جديد في القطاع بعد السابع من أكتوبر. بل إن الجهات التي كانت تُعتبر في السابق عوامل توازن نسبي أمام تطرف اليمين، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، أصبحت أكثر تشددًا بعد الصدمة الأمنية الكبيرة التي تعرضت لها إسرائيل نتيجة فشلها في منع الهجوم.

ومن وجهة نظر إسرائيلية داخلية، فإن أي قيادة جديدة قد تصل إلى الحكم ستكون مطالبة بإثبات أنها قادرة على فعل ما لم يفعله بنيامين نتنياهو، ليس عبر التهدئة، وإنما عبر تبني سياسات أكثر صرامة وقسوة تجاه غزة.

ورغم ذلك، يبقى العامل الأمريكي عنصرًا حاسمًا في رسم حدود الحركة الإسرائيلية. فالولايات المتحدة هي التي طرحت أساسًا خطة وقف الحرب، وهي التي مارست ضغوطًا لفرضها على إسرائيل. لكن السؤال الأهم يبقى: هل ستستمر واشنطن في الضغط على إسرائيل خلال مرحلة سياسية أمريكية حساسة مثل الانتخابات؟ وهل تقبل الإدارة الأمريكية بفتح ثلاث جبهات ضغط متزامنة على إسرائيل تتعلق بإيران ولبنان وفلسطين في آن واحد؟

هنا تبرز خصوصية الملف الفلسطيني داخل العقل الأمني والسياسي الإسرائيلي. فهذا الملف لا يُنظر إليه كملف أمني عابر، بل باعتباره جوهر الصراع ومصدر التهديد الأساسي، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر. ولذلك، فإن تعطل المفاوضات المتعلقة بالمرحلة الثانية قد يمنح إسرائيل ضوءًا أخضر أمريكيًا غير مباشر لتصعيد عسكري وأمني واقتصادي واجتماعي ضد قطاع غزة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على وضع شرط نزع سلاح الفصائل في غزة باعتباره شرطًا أساسيًا للانتقال إلى المرحلة الثانية. فإسرائيل تريد التأكد من تنفيذ هذا الشرط بصورة كاملة، وفق رؤية أمنية مفتوحة لا تحدها ضمانات واضحة ولا سقوف زمنية محددة، قبل الحديث عن أي استحقاقات سياسية أو إنسانية مرتبطة بالمرحلة المقبلة.

هذا السلوك الإسرائيلي لا يرتبط فقط بمحاولة بنيامين نتنياهو تسجيل نقاط سياسية قبل أي انتخابات قادمة، بل يعكس استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى دفع الفصائل الفلسطينية لرفض هذا الطرح. وعندها تصبح إسرائيل أمام خيارين يخدم كل منهما الآخر: الأول، إبقاء غزة في حالة “دون الموت وأقل من الحياة” لأطول فترة ممكنة، عبر استمرار الحصار والضغط ومنع التعافي الكامل؛ والثاني، تهيئة الظروف السياسية والميدانية للعودة إلى الحرب أو لتغيير نمط التدخل العسكري الإسرائيلي متى اقتضت الحاجة. وفي كلا الخيارين، تبقى غزة تحت الضغط المستمر، ويُغلق الأفق أمام عودتها إلى الحياة الطبيعية.

أما عناوين هذا الضغط في المرحلة المقبلة، فمن المرجح أن تتمثل في عدة مسارات متوازية، أبرزها توسيع “المنطقة الصفراء” أو المناطق العازلة، وزيادة وتيرة الاغتيالات، وتطوير عمل المجموعات المحلية المرتبطة بالاحتلال، إضافة إلى تنفيذ عمليات عسكرية محدودة برًا أو جوًا، كما ظهر في قصف مربع سكني في مخيم الشاطئ. ويمكن إضافة عامل خامس يتمثل في البحث عن آليات لدفع السكان إلى الهجرة خارج غزة، بعيدًا عن الرفض المصري المعلن لأي سيناريو تهجير جماعي.

في المحصلة، يبدو أن إسرائيل لا تتعامل مع “اليوم التالي” في غزة باعتباره نهاية للحرب، بل باعتباره مرحلة جديدة من إدارة الصراع بأدوات مختلفة وأكثر تعقيدًا.

ولذلك، فإن خيارات غزة تبدو محصورة بين السيئ والأسوأ والأكثر سوءًا، في ظل واقع إقليمي ودولي شديد التعقيد.

ومن هنا، فإن أي خيار فلسطيني في المرحلة المقبلة، مهما كان شكله، سيكون محملًا بأثمان وتبعات كبيرة، ما يجعل الحاجة إلى خطة استراتيجية فلسطينية واضحة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ليس فقط لإدارة تداعيات الحرب الحالية، بل أيضًا لمواجهة التحولات الكبرى التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على مستقبل قطاع غزة وهويته السياسية والديموغرافية.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0