خاص قدس الإخبارية: وجّه قياديون تاريخيون في حركة فتح انتقادات حادة لما وصفوه بـ"التلاعب بمدخلات المؤتمر الثامن للحركة"، المقرر عقده الجمعة المقبلة، مشيرين إلى ما اعتبروه عمليات إقصاء وتهميش جرت خلال إعداد المؤتمر من قبل اللجنة التحضيرية، وذلك لصالح إدخال شخصيات لا تستوفي، بحسب وصفهم، المعايير التنظيمية المعتمدة داخل الحركة، محذّرين من انهيار الحركة حال استمرّت على ذات النهج.
وتقول عضو المجلس الثوري لحركة فتح سابقًا، عبير الوحيدي لـ شبكة قدس إنها فصلت عام 2021 على خلفية مشاركتها في انتخابات المجلس التشريعي الملغاة ضمن القائمة المحسوبة على عضو اللجنة المركزية للحركة الأسير مروان البرغوثي. ومنذ ذلك الوقت "لم يعقد معنا جموع الذي فصلوا من الحركة على خلفية الانتخابات أيّ حوار جدّي للعودة، وكان هدف الفصل حينها تكريس وضع الحركة الحالي، لتكون مخرجات المؤتمر الثامن مفصّلة على مقاس من لهم مصالح شخصية".
وترى الوحيدي أن استبعادها من عضوية المؤتمر الثامن لا يرتبط باعتبارات تنظيمية بقدر ما يعكس "ثمن الموقف" داخل الحركة، مضيفة أنّها، إلى جانب المفصولين على خلفية الانتخابات التشريعية، "شركاء في رأس المال الوطني والتنظيمي لحركة فتح"، وأن ما يعنيهم اليوم هو "ألّا تخسر الحركة مستقبلها السياسي". وتصف الواقع الداخلي للحركة بأنه "ليس مترديًا فحسب، بل كارثيًا"، مؤكدة الحاجة إلى "مسار تصحيحي يعيد لفتح هويتها الوطنية الحقيقية".
وتؤكد أنّ القضية بالنسبة لها لا تتعلق بعضوية المؤتمر بصفتها الشخصية، بل بطبيعة التمثيل داخله، قائلة إن ما يهمّها هو "أن يكون الموجود في المؤتمر من يمثّلني، وألّا أخجل من وجوده في عضوية اللجنة المركزية"، معتبرة أن بعض الأسماء المطروحة "وجودها مخجل لحركة فتح، والبعض الآخر حضوره مشرّف".
وتشدد الوحيدي على ضرورة "إنصاف قطاع غزة" داخل المؤتمر الثامن، مشيرة إلى أن تمثيل القطاع لا يتجاوز 22.5% من إجمالي أعضاء المؤتمر، وهو ما تراه "ظلمًا لا ينسجم مع الثقل الديموغرافي والوطني والتاريخي لغزة، ولا مع حجم التضحيات التي قدمها القطاع خلال الحرب"، معتبرة أن المؤتمر الحالي "يمثل الفرصة الأخيرة أمام الحركة".
وتطالب بأن تكون الأولوية في عضوية المؤتمر والترشح لهيئاته لـ"قطاع غزة، والأسرى، والجرحى، وذوي الشهداء، وأصحاب المنازل المهدمة"، باعتبارهم "الضمانة الحقيقية للمشروع الوطني"، إلى جانب "كل من أثبت خلال السنوات الماضية مواقف وطنية عملية على الأرض، ولم يكن جزءًا من الفساد".
كما تدعو إلى رفع تمثيل قطاع غزة في اللجنة المركزية إلى ما لا يقل عن سبعة أعضاء، خلافًا لما جرى في المؤتمر السابق، محذّرة من أن تجاهل هذه المسألة "يكرّس الفصل الجغرافي داخل الحركة".
وتعتبر الوحيدي أن سياسة الإقصاء داخل المؤتمر تهدف إلى "استمرار واقع النظام السياسي القائم، ومنع أي مسار إصلاحي، والإبقاء على النهج الحالي"، مضيفة أن الدافع لدى بعض قيادات الحركة "مرتبط بالمصلحة الشخصية أكثر من المصلحة الوطنية والتنظيمية".
وتلفت إلى أن بعض الشخصيات المرشحة بدأت بإظهار مواقف وخطابات وطنية بالتزامن مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، معتبرة أن "الشعارات الوطنية تحوّلت لدى البعض إلى جزء من الدعاية الانتخابية".
وتدعو الوحيدي قيادات وكوادر الحركة إلى مراجعة مواقفهم وسؤال أنفسهم "ماذا قدّموا لوحدة حركة فتح"، مشيرة إلى أن معيار التقييم الحقيقي يجب أن يكون: "إلى أي مدى تتعارض مصلحة فتح مع المشروع الشخصي؟ وهل تتوافق شعارات الإصلاح والشفافية والمحاسبة مع المصلحة الوطنية التي يتبناها المرشح؟".
وتضيف أن معايير الترشح للمؤتمر الثامن يجب أن ترتبط "بمدى التواصل مع الجماهير وإسنادها، وزيارة بيوت الشهداء، والتواصل مع أهالي الأسرى"، إلى جانب امتلاك "مواقف ثابتة من القضايا الأساسية، مثل تغيير المناهج، وقطع الرواتب، ومواجهة المستوطنين، ومصادرة الأراضي، والفساد، والمحسوبية".
أما أمين سر حركة فتح السابق في القدس، عمر الشلبي، فكشف في حديثه مع شبكة قدس أن اسمه كان ضمن المرشحين لعضوية المؤتمر الثامن، قبل أن يُشطب لاحقًا من القائمة. ويوضح أنه أُدرج بداية ضمن بند "النشطاء في المقاومة الشعبية"، إلا أن اسمه أُزيل لاحقًا "بإرادة لا أعرف مصدرها"، على حدّ تعبيره. ويضيف الشلبي أن مسألة استبعاده "لا تعنيه في النهاية"، معتبرًا أن ما يجري داخل الحركة يعكس خللًا في إدارة المؤتمر، قائلاً: "لا يشرفني أن أكون في مؤتمر يُدار بآلية غير مهنية وتفتقر إلى الأسس والقواعد التنظيمية".
ويؤكد الشلبي أن اللجنة التحضيرية لمؤتمر حركة فتح مطالبة بالإجابة عن سؤال أساسي يتمثل في "من الذي أقرّ التعديلات التي أُدخلت على النظام الداخلي حتى أصبحت العضوية بهذا الشكل؟"، موضحًا أنه جرى إدراج مئات الأعضاء تحت بنود متعددة مثل الشبيبة والمرأة والمتفرقات والكفاءات، إلى جانب توجيه دعوات شملت جميع أعضاء الأقاليم للمشاركة في المؤتمر.
ويشير إلى أن عدد أعضاء المؤتمر ارتفع بأكثر من ألف عضو مقارنة بالمؤتمر السابق عام 2016، ليصل إلى أكثر من 2550 عضوًا، معتبراً أن هذه الزيادة "غير مبررة ولا تستند إلى أي أساس تنظيمي واضح".
ويضيف الشلبي أن ما جرى في المؤتمر السادس للحركة كان بداية الإشكال، إذ شُكّلت حينها لجنة لتعديل النظام الداخلي، إلا أن هذه التعديلات "لم تُعرض على المجلس الثوري"، قبل أن يُفاجأ الجميع، بحسب تعبيره، بطباعة نظام داخلي وُصف بأنه "النظام الداخلي المعدّل"، معتبرًا أن ذلك يطرح إشكالية قانونية واضحة، إذ إن "ما بُني على باطل فهو باطل"، على حد قوله، وبالتالي فإن التعديلات والمدخلات التي طالت المؤتمر "تفتقر إلى الشرعية التنظيمية".
ويشدد على أن أي تعديل في النظام الداخلي كان يجب أن يتم عبر لجنة منتخبة من داخل المؤتمر نفسه، على أن تُعرض التعديلات لاحقًا للنقاش والتصويت داخل المؤتمر، وهو ما يؤكد أنه "لم يحدث لا في المؤتمر السادس ولا في السابع".
ويضيف الشلبي أنه صاغ موقفه استنادًا إلى "القانون الفتحاوي والمفاهيم التنظيمية الصحيحة"، مشيرًا إلى أنه كان ينوي عدم المشاركة في هذا المؤتمر، باعتبار أن "مؤتمرًا بهذه المدخلات لا يمكن أن تكون مخرجاته صحيحة"، على حد تعبيره.
ويختم بالقول إن وضع حركة فتح "غير سليم وغير صحي"، مؤكدًا الحاجة إلى استعادة الحركة لمكانتها الطبيعية ودورها الطليعي، وعدم تحوّلها إلى "مجرد تاريخ يُبكى على أطلاله".
وفي سياق تعليقه على ترشح ياسر عباس لعضوية اللجنة المركزية، يقول الشلبي لـ شبكة قدس إن "قد يكون فتحاويًا منذ ولادته، لكن ما هي الصفة التنظيمية التي جاءت به؟"، موضحًا أنه إذا كانت هناك صفة تنظيمية واضحة تخوّله الحضور "فأهلًا وسهلًا"، أما في حال غيابها "فالقضية ليست قضية شركة أو مزرعة"، على حد وصفه.
ويرى أن المؤتمر بات يأخذ "طابعًا عائليًا"، مع وجود ممثلين عن عائلات بشكل متزايد، معتبرًا أن ذلك يطرح "ألف علامة استفهام" حول آلية تشكيله، مضيفًا أن هناك "إرادة أقوى من إرادة اللجنة المركزية واللجنة التحضيرية" هي التي تتحكم في صياغة هذا المؤتمر، بحسب تعبيره.
ويعود ذلك كلّه إلى أن حركة فتح تخالف نظامها الداخلي بشكل صارخ، خاصّة من بعد المؤتمر الخامس الذي عقد في 1988، وفق ما يقول عضو المجلس الثوري لحركة فتح سابقًا، ربحي حلّوم لـ شبكة قدس. ويضيف: "النظام الداخلي ألغي بالكامل، وشطب الكفاح المسلح من أبجديات العمل التنظيمي. وما يجري في هذه الأيام تنفيذ حكم الإعدام بحق حركة فتح ومبادئها التي صيغت عام 1965، ومنذ عام 1996 الحركة لا تسير وفق النظام الداخلي".
ويعتبر حلّوم أن "الأسس التي يقوم عليها المؤتمر الثامن للحركة غير نظامية، ولم ينعقد مؤتمر حركة فتح في الأقاليم الخارجية لترشيح أعضاء المجلس الثوري والمركزية (...) من يسمّي أعضاء المؤتمر العام ليسوا أشخاصًا منتخبين داخل الحركة".
وعن ترشيح ياسر عبّاس (نجل الرئيس) للجنة المركزية، يقول حلّوم: "ياسر عباس لم يكن في أي موقع داخل حركة فتح على صعيد عضوية الأقاليم أو المجلس الثوري حتى عام 2006، وكان فقط "ابن الرئيس" وله أعماله الخاصة تجاريًا. المؤهل الوحيد الذي يحمله ياسر عباس للجنة المركزية هو فقط أنه ابن الرئيس عباس".
ويشير حلّوم إلى أن رئيس فتح محمود عباس كان مفوضًا ماليًا للحركة حتى عام 1990 ومن المرجّح أنه يدفع بنجله ياسر في ذات الاتجاه. ويرى أن ذلك يقود الحركة إلى "الطمس والدفن من حيث تغيير القواعد والأسس التي أنشئت عليها، والآن باتت الحركة رهينة لقرارات صادرة عن الرئيس فقط" وفق حلّوم الذي ختم قائلًا: "فتح باتت اليوم تخدم مشروع السلطة التي تفتقد للوطنية والشرعية، ومخرجات المؤتمر الثامن معدّة سلفًا".



