شبكة قدس الإخبارية

ذكرى احتلال القدس: الأقصى بين العدوان وتجدد الرباط

thumbs_b_c_6d0aa088cda75a10714c686cd78d4104
زياد ابحيص

تحل في يوم الجمعة 15-5-2026 الذكرى العبرية لاحتلال القدس، وهي الذكرى التي حول الصهاينة صباحاته على مدى سنوات إلى يوم للعدوان على المسجد الأقصى واستعراض السيادة الصهيونية المزعومة عليه، لينتقلوا في مساءاته إلى مسيرة الأعلام، وليكملوها لاحقاً باقتحام البلدة القديمة بالأعلام الإسرائيلية، والاعتداء على أهلها وتجارها، باعتباره طقس التعبير عن تلك السيادة المزعومة.

ولهذه الذكرى خصوصية في العدوان في هذه السنة، لأن "يوم استعراض السيادة" هذا سيوافق يوم جمعة، وهو يوم يُغلق فيه باب الاقتحامات عادة، كما أن شوارع القدس وأزقتها تمتلئ بأبنائها الفلسطينيين من الداخل المحتل عام 1948 ومن مختلف أحياء القدس، ما يجعل اقتحامها واستعراض السيادة المزعومة المؤقتة عليها أمراً معقداً.

وفي ظل حرب إبادة وتصفية شاملة، ينظر فيها اليمين الصهيوني إلى المسجد الأقصى باعتباره ساحة التصفية الرمزية، وإلى القدس كذلك باعتبارها بوابة حرب الحسم والتصفية، فإن مختلف قواه تجندت لتحاول تحويل هذا اليوم إلى يوم لفرض وقائع جديدة في الأقصى وفي القدس إن استطاعوا، وكعادة الصهاينة فقد وضعوا مجموعة متدرجة من الأهداف على أمل تحقيقها جميعاً، فإن لم تتحقق كلها فإن تحقيق أي جزء منها سيشكل تقدماً بحد ذاته، ويمكن إجمال هذه الأهداف بالتالي:

الهدف الأول: فرض اقتحام الأقصى في صباح يوم الجمعة 15-5-2026: وذلك في وقت اقتحامات الضحى من الساعة 6:30-11:30 صباحاً، أو بعد صلاة الجمعة ما بين الساعة 2:00-3:30 من بعد الظهر، لتكون السابقة الأولى لاقتحام المستوطنين للأقصى في يوم جمعة منذ احتلال المسجد عام 1967.

تبني منظمات الهيكل -التي تقود الزخم للمطالبة بهذا الاقتحام- على ثلاث سوابق مركزية:

الأولى حينما تقاطعت الذكرى الدينية المسماة "ذكرى خراب الهيكل" مع يوم عيد الأضحى الذي وافق 11-8-2019، وفرضت فيه اقتحاماً دموياً بعد جملة من التصريحات التي نفت حصول الاقتحام، كان آخرها تصريح لنتنياهو شخصياً أثناء صلاة العيد، لتبدأ الشرطة بفرض الاقتحام عقب خروج المصلين.

الثانية كانت في يوم 28 رمضان 1442 هـ الموافق 10-5-2021م، حينما تقاطعت ذكرى احتلال القدس ذاتها مع يوم الثامن والعشرين من رمضان، وقد تصدى المرابطون لذلك الاقتحام بأجسادهم العارية وبالحجارة وبما أتيح لهم من أدوات، وتمكنوا من إفشاله لتنطلق في عشية ذلك اليوم معركة "سيف القدس" بعد مجموعة من المقدمات على مدى شهر رمضان.

أما الثالثة فكانت في التقاطع ذاته لذكرى احتلال القدس مع الثامن والعشرين من رمضان في عام 2019، وقد فرضت شرطة الاحتلال بالتعاون مع منظمات الهيكل أحد أعتى اقتحامات المسجد حتى حينه.

ما يجمع هذه السوابق الثلاثة هو تقاطع مناسبة صهيونية قومية أو يهودية دينية مركزية مع يوم مقدس إسلامي، اعتادت شرطة الاحتلال على أن تغلق باب اقتحامات المستوطنين فيه، لكنها اتخذت من المناسبات الثلاثة عنواناً لتغيير هذا الواقع، ولتكريس مبدأ "الحق المتساوي" بين اليهود والمسلمين في المسجد الأقصى، بحيث لا يسمو الاعتبار الإسلامي على الاعتبار الصهيوني أو اليهودي إذا ما تقاطعت المناسبات، فالمستوطنون يقتحمون المسجد في عيدهم والمسلمون يدخلونه في عيدهم بزعم كونه "مقدساً مشتركاً"...

وبالبناء على تلك السوابق، فإن المتوقع أن يكون السعي لفرض الاقتحام في يوم الجمعة 15-5-2026 جدياً وحقيقياً، وكما تقول هذه التجارب الثلاثة –واثنتان منها كانتا في المناسبة ذاتها (الذكرى العبرية لاحتلال القدس)- فإن شرطة الاحتلال لم تلغِ أياً منها بناء على تقدير الموقف، أو الخوف من المخاطر، بل حاولت بالفعل فرض الاقتحام بالقوة، ففشلت مرة ونجحت مرتين، وإن كانت اضطرت للاكتفاء باقتحام رمزي في يوم اقتحام الأضحى، أدخلت فيه المقتحمين مسافة ستين متراً من باب المغاربة إلى باب السلسلة المجاور له.

على الأرض حتى الآن، جرت المقدمات الآتية لمحاولة فرض اقتحام الجمعة 15-5:

1-  أطلقت منظمات الهيكل عريضة للمستوطنين للتعهد برفع العلم الإسرائيلي في المسجد الأقصى في يوم الجمعة، لتضمن انخراط جمهورها في هذا المسعى.

2-  بدأ الإسناد السياسي لهذا الزخم بمطالبة عضو الكنيست من حزب الليكود عميت هاليفي لوزير الأمن القومي إيتمار بن جفير بتسهيل اقتحام الأقصى يوم الجمعة.

3-  تعزز هذا الإسناد بعريضة مشتركة لـ13 سياسي صهيوني، 10 منهم من حزب الليكود الحاكم الذي يقوده نتنياهو، وثلاثة من تيار الصهيونية الدينية الذي يعد بن غفير أحد رموزه، وهم من حيث المواقع ثلاثة وزراء وعشرة أعضاء كنيست، طالبوا فيها قائد شرطة الاحتلال وقائد شرطة القدس بتسهيل الاقتحام يوم الجمعة 15-5-2026، وإن تعذر ذلك بتسهيل اقتحام مسائي إضافي يوم الخميس 14-5-2026.

الهدف الثاني: إضافة فترة اقتحام جديدة يوم الخميس 14-5-2026: إذ أن منظمات الهيكل قد دأبت على دعوة جمهورها إلى "اقتحام تعويضي" في المناسبات التي تتوقع أن يغلق المسجد الأقصى فيها، وبما أن الذكرى العبرية لاحتلال القدس تأتي في يوم الجمعة، وبما أن شرطة الاحتلال تتعمد حتى الآن الغموض في موقفها من اقتحام الجمعة، فإن منظمات الهيكل والسياسيين الداعمين لها طالبوا بتسهيل اقتحام مسائي إضافي للمسجد الأقصى يوم الخميس 14-5-2026، والمقصود إضافة اقتحام في فترة جديدة من بعد صلاة العصر، بحيث يضمنون أن تتحول هذه المناسبة إلى مناسبة لفرض وقائع جديدة في الأقصى، حتى وإن لم ينجوا في فرض اقتحام الجمعة.

في تعليقها على عريضة السياسيين الثلاثة عشر، تمسكت منظمة "جبل الهيكل في أيدينا (بيدينو)" بهذا المطلب باعتباره الهدف المركزي، لأن فرض فترة اقتحام ثالثة في يوم الخميس 14-5-2026 سيفتح الباب لفرضها في كل الأيام، وسيزيد ساعات الاقتحام اليومية بالتالي لتصل إلى حدود التسع ساعات، وهو نفس عدد الساعات الذي يفتح في الأقصى للمسلمين، لكونه يغلق من بعد العشاء إلى ما قبل الفجر. وهذه الفترة من الاقتحام تعول عليها منظمات الهيكل في زيادة أعداد المقتحمين، لأنها تأتي بعد ساعات العمل الرسمية، ولا بد من التذكير هنا أن هذا المطلب تحديداً سبق أن تعهدت به الحكومة الإسرائيلية على لسان وزير العدل فيها، نائب رئيس الوزراء ياريف لافين قبل خمسة أشهر.

طبعاً ستعمل منظمات الهيكل على مطالبها بشكل تدريجي، لتضمن مطلب الخميس ثم تنتقل لتحصيل اقتحام الجمعة إن استطاع؛لعلها تحظى بها جميعاً.

الهدف الثالث والأخير: هو محاولة فرض سابقة جديدة باقتحام بن غفير للمصليات المسقوفة: إذ أن وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير يحرص منذ شهر 6-2024 على أن يقود كل الاقتحامات الكبرى بنفسه، وعلى أن يفرض حقيقة جديدة في الأقصى مع كل اقتحام من هذه الاقتحامات الكبرى. وحصول بن جفير على رأي حاخامي خاص من حاخام حزبه دوف ليئور بجواز دخوله شخصياً إلى كل أجزاء الأقصى -بخلاف الرأي الذي يمنع ذلك لبقية اليهود خوفاً من تدنيس موقع الحلول المزعوم وفق معتقدهم- يمهد لإمكانية أن يقتحم المصليات المسقوفة، وبالذات قبة الصخرة والجامع القبلي، كتعبير استعراضي عن سيادته المزعومة، وللتمهيد لتقويض دور الأوقاف حتى في المصليات المسقوفة، وهو المسار المستمر منذ سنوات لإنهاء دورها كإدارة إسلامية أصيلة في الأقصى. 

في مواجهة ذلك كله، يقف الرباط في المسجد الأقصى، وشد الرحال إليه، ومراغمة المحتل فيه، باعتباره سياج الأقصى الوحيد المتبقي، لكنه سياج ليس بسيطاً، وسبق له أن تمكن من إفشال أو إبطاء مخططات كبيرة تجاه المسجد الأقصى المبارك على مدى عقود.

وسبق له أن تمكن من إفشال أو إبطاء مخططات كبيرة تجاه المسجد الأقصى المبارك على مدى عقود. 

يشهد المسجد الأقصى اليوم صحوة استثنائية بعد إغلاقه الذي دام أربعين يوماً، شملت عشرين يوماً من رمضان وعيد الفطر وخمس جمعٍ متتالية، إذ شعر القادرون على الوصول إليه من أهل فلسطين بما افتقدوه بالإغلاق، وبمعنى الحرمان والإبعاد عنه، فأخذوا يَـفِدون إليه بأعداد مضاعفة عن السابق، وهذا بحد ذاته إفشال لمسعى المحتل بإخراجه من حياتهم. 

وفي يومي الخميس 14-5 والجمعة 15-5 يمكن لهذا الرباط أن يجدد دوره كسياج للمسجد الأقصى، فالواجب تكثيف هذا الرباط من بعد صلاة الظهر من يوم الخميس، ومنذ صلاة الفجر من يوم الجمعة، بل إن الواجب محاولة الاعتكاف في المسجد رغم المحاولة الأكيدة لشرطة الاحتلال لمنع الاعتكاف. 

إن تردد شرطة الاحتلال وغموضها في إعلان موقفها وتأخيره، عائد في الأساس لخوفها من تحول هذا الموقف إلى عنوان للتحدي وبناء الزخم الشعبي إذا ما أعلنته مبكراً، ولذلك تحديداً يجب أن يبدأ العمل على شد الرحال للأقصى والرباط فيه وكأنها قد أعلنت تبنيها لاقتحام الجمعة، فتلك هي الضمانة الوحيدة لمنع تلك الأهداف الثلاثة وإفشالها.

أما خارج فلسطين المحتلة، فإن تقاطع هذا اليوم مع الذكرى الثامنة والسبعين لنكبة فلسطين، لا بد أن يحول الأقصى إلى عنوان رمزي جامع، فحماية الأقصى حماية لحق العودة، وإفشال التصفية فيه إفشال للتصفية على كل الجبهات وفي القلب منها عودة اللاجئين، ومن هنا فإن التصدي لهذا الاقتحام من الممكن أن يتحول إلى عنوان يجمع الساحات والقوى داخل فلسطين وخارجها، إذا ما وجدت الإرادة.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0