غزة - خاص قدس الإخبارية: على امتداد الأراضي الشرقية لقطاع غزة وهي الأراضي المتبقية بعد تجريف الاحتلال لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، يواجه المزارعون مخاطر يومية كبيرة أثناء العمل في أراضيهم الزراعية، بفعل إطلاق النار المستمر من قبل جيش الاحتلال والقصف المدفعي المتواصل.
وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة نحو 170 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة القطاع، تتركز في شماله وجنوبه وشرقه، لا تتجاوز المساحات المزروعة حاليا عن 5% من إجمالي الأراضي الزراعية، بعد تجريف نحو 87% من الأراضي الزراعية، خاصة تلك الواقعة شرق "الخط الأصفر" التي تشكّل 62% من إجمالي الأراضي.
يعمل أمير النسر في أرض زراعية لا تبعد سوى 100 متر عن الخط الأصفر شرق البريج، يزرع فيها البقدونس والفلفل، ويزيد هذا القرب من قوات جيش الاحتلال المخاطر التي تواجه عملية الزراعة، ما يجعل كل لحظة يمضيها داخل أرضه تحت أنظار الطائرات الحربية بدون طيار التي لا تفارق سماء المنطقة وفوهة مدفعية الدبابات الموجهة نحوهم من أعلى تلال رملية تنتشر على شكل ثكنات عسكرية، وأنظار القناصة.

قد يصاب أي زائر جديد لهذه المناطق التي باتت تقع شرقا باضطراب وشعور كبير في الخوف الذي يفرضه تفاصيل المكان، وهذا شعور يومي يلازم المزارعين.
اعتداءات يومية
بعد يوم عمل شاق يلقي النسر وجهه تحت صنبور مياه لغسل وجهه ويديه من الأتربة والغبار، ويروي بعدما جفف يديه لشبكة "قدس الإخبارية" قائلا: "العمل بالقرب من الخط الأصفر خطير جداً، حيث نتعرض بشكل مستمر لإطلاق نار كثيف من الدبابات، بالإضافة إلى القذائف، وهذا يشكل تهديداً مباشراً على حياتنا أثناء العمل في الأرض. لدينا أرض بمساحة خمس دونمات ولا تبعد سوى عشرات الأمتار عن الخط الأصفر والأرض الثانية استأجرناها للخلف منها بمساحة 27 دونما وتبعد نحو 700 متر عن الخط الأصفر".
مع كل صباح جديد يتوجه فيه النسر إلى أرضه الزراعية، تقوم مسيّرات "كواد كابتر" بإلقاء القنابل عليهم وإطلاق الرصاص من الدبابات الأمر الذي يؤثر على عملية جني المحصول أو رعي المزروعات، ويحكي بينما يسير في منطقة يحيط بها الدمار كل جانب: "عندما يتم إطلاق النار علينا، نتراجع وأحيانا نذهب لمراقبة الأرض من بعيد، وإذا كانت الأمور هادئة نقوم بري المزروعات والمغادرة فورا".
بوضوح تظهر الآليات والثكنات العسكرية من أرضه الزراعية، وأضاف فيما يتجه بنظره نحو الشرق: "في كل مرة نذهب فيها إلى الأرض نضع قلوبنا على أيدينا، لا نعرف إن كنا سنعود أم لا، فلا محاذير أمام الاحتلال، ونحن نريد جني المحصول لإعالة أسرنا. بالأمس جرى إطلاق رصاص طائش علينا ونجوت مع أخوتي بأعجوبة".
ويتابع عن تلك المخاطر: "نبقى في الأرض من الصباح حتى ساعات المغرب. نبدأ اليوم بالذهاب لساعة أو ساعتين في الأرض الأولى، ونقوم بأعمال تعشيب وري ومتابعة، وعندما نرى تحرك جيش الاحتلال نتراجع للأرض الأخرى في الخلف، بمجرد أن نرى الدبابة تحركت نترك كل شيء ونغادر لأنها تبدأ بإطلاق الار".
ارتفاع تكاليف
وإضافة لهذه المخاطر يواجه المزارعون صعوبات كبيرة أثناء العمل وموجة غلاء الأسعار ونقص المواد التي يحتاجونها للزراعة، مع تضاعف التكاليف أضعافا مضاعفا عن أسعارها قبل الحرب مثل أنابيب الري التي تسمى بين المزارعين "التفتوف" وتكاليف الحرث والسولار، لكن لا خيار أمام النسر وعائلته إلى المواصلة بالرغم من الضغط والخوف، كون هذا العمل مصدر رزقهم الوحيد.
ويوضح أن تكلفة تشغيل المولد يوميا لري الأرض البالغة مساحتها 27 دونما تبلغ 700 شيقل، إذ تمتد ساعات الري لست أو ثماني ساعات يومية، فضلا عن ارتفاع لفة "التفتوف" من 60 شيقلا قبل الحرب إلى 1000شيقل حاليا، ورغم ذلك لا زال أمير ووالده والكثير من المزارعين يتشبثون بالأرض ويقول: "لا يمكن الاستغناء عنها لأننا توارثنا المهنة عن أجدادنا".
شرق مخيم المغازي وسط قطاع غزة، يعمل المزارع همام أبو سعيد (40 سنة) في ظروف متشابهة عن التي يواجهها النسر، وتمتد أرضه البالغ مساحتها 10 دونما، بشكل طولي بحيث يبلغ عرضها 18 مترا وطولها 350 مترا، ونتيجة صعوبة الأوضاع وخطورتها قام بزراعة القمح بنصف الأرض الغربي، وبقي النصف الشرقي دون زراعة إذ لا يبعد عن الخط الأصفر سوى 100 متر فقط.

يجلس أبو سعيد على كرسي بداخل بيته الواقع بنفس الأرض يعيش في منطقة يعمل أهلها في الزراعة، ويقول لشبكة "قدس الإخبارية": "أخشى على نفسي وعلى العمال لذلك نبتعد عندما تتحرك الآليات، لأنها تقوم بدوريات وتبدأ بإطلاق رصاص عشوائي تجاه المناطق الغربية (تمشيط) وعندما تنسحب هذه الآليات نعود للأرض. بالأمس اخترقت رصاصة طائشة غرفة نومي".
وهذه الحالة من التوتر والقلق يعيشها أبو سعيد بشكل يومي، وبعد انسحاب الآليات يبقى المزارعون تحت مراقبة وأنظار موقع عسكري قريب، ويعيش في منطقة تسمى "الزعفران" يملك الأهالي أراضٍ زراعية ويعملون على زراعتها.
وقام أبو سعيد بزراعة أرضه بالقمح نهاية شهر ديسمبر/ كانون أول الماضي، ومتبقي شهر على جني المحصول الذي يتوقع أن يجني نحو نصف طن من القمح لإنتاج الدقيق، في تجربة جديدة كون هذا النوع من الأعلاف دخل غزة عن طريق منظمة "الفاو" للأغنام، وقام بزراعة 80 كيلو من البذور أي بضعف الكمية التي تحتاجها الأرض لإنتاج الدقيق وفق المواصفات.
لكن لا يخفي المزارع أنه بدأ يحبس أنفاسه تحسبا من أي تطورات أمنية أو إلقاء قنابل ليلة مضيئة (خبب حارقة)، ويقول بنبرات ممزوجة بالقلق: "مع اقتراب جني المحصول نشعر بالخوف من أي اعتداء أو تقدم للآليات".
ولا يلتزم الاحتلال فقط بالتواجد عند الخط الأصفر، بل خلق منطقة أمنية أمامية من الخط تمنع المزارعين من الاقتراب، وهو ما يعيشه أبو سعيد الذي لا يستطيع زراعة الدونمات الخمسة الأمامية ويعيشه بقية المزارعين ممن لديهم أراض ملاصقة أو مجاورة للخط الأصفر.
محاولات لإحياء الأرض
في شمال القطاع، يحاول المزارعون إعادة الحياة لبعض الأراضي الزراعية التي يمكن زراعتها إذ جرف الاحتلال معظم الأراضي.
على امتداد مساحة أرض تبلغ 15 دونما في منطقة بئر "النعجة" شمال قطاع غزة يقف سمير العطار أمام أرض استأجرها وحرثها ومدها بخطوط مياه، بانتظار حصوله على البذور لزراعتها والتي يمنع الاحتلال إدخالها ويتحكم في نوعيتها عندما يسمح بمرورها.
استخدم العطار في حرث الأرض في ظل عدم وجود آليات زراعية التي تعرض معظمها للتدمير، حصانا يجر آلة حرث، وفأسا كما كان يزرع المزارعون قديما، ما جعل العمل على حرث الأرض يستغرق ثلاثة أسابيع.

يكتف العطار يديه وهو يحاول النهوض من جديد، بعدما أصبحت أراضيه الزراعية التي يملكها داخل الخط الأصفر، يرغب في زراعة الكوسيا الفلفل والخيار وأشتال متنوعة من الخضراوات، شجع العطار مزارعين آخرين على حرث أراضيهما حيث قام الأول بتجريف أرضه البالغ مساحتها 10 دونمات، والثاني على امتداد 20 دونمًا.
ويقول العطار فيما يقف قرب غاطس مياه وهو ينتظر أن تصبح الخطوط الرملية مليئة بالخضار بعد رمي البذور فيها لشبكة "قدس الإخبارية": "إن تشجيع الزراعة في شمال القطاع سيعمل على تخفيض أسعار الخضراوات، مما يعزز صمود السكان في أراضي شمال القطاع التي تعرضت لتجريف كامل من قبل جيش الاحتلال".
ويسكن العطار في منطقة "العطاطرة" غرب بيت لاهيا ولا يبعد منزله عن الخط الأصفر سوى 60 مترا، ويوميا يطل بحسرة على أرضه المجرفة ومزارع الدواجن التي كن يملكها وقد سويت جميعها في الأرض، حاول في الهدنة الأولى في يناير/ كانون ثاني 2025 زراعتها إلا أن الاحتلال أعاد تجريفها.
ولا يؤدي تشغيل المزارعين للغواطس لإحياء أراضيهم الزراعية فقط، وزيادة الإنتاج بل يجذب السكان لإقامة مخيمات الإيواء حولهم، بالاستفادة من هذه الغواطس التي يشغلها المزارعون.
ويقول الخبير الزراعي نزار الوحيدي، إن الوضع العام غير مستقر، وأن غزة حرمت بسبب الحرب من 95% من الإنتاج ما جعل هناك أزمة وارتفاعا حادا بالأسعار، ما يشير لوجود انعدام بالأمن الغذائي ووجود مجاعة غير معلنة، مبينا، أن عناصر الأمن تتمثل بوفرة الغذاء وسعره المناسب وسلامته الصحية، وهي ثلاثة شروط مفقودة حاليا.
وأضاف الوحيدي لشبكة "قدس الإخبارية" بأن الحرب لم تنته، وما يجري هو وقف إطلاق النار من ناحية الشعب الفلسطيني، أما الاحتلال فيطل النار بشكل يومي، ما جعل هناك حالة عزوف من المزارعين عن التواجد بأراضيهم وزراعتها".
وإن كان المزارعون شرق البريج والمغازي يستطيعون الزراعة، فإن الوحيدي يشير أن هناك مناطق مثل المغراقة الواقعة بالقرب من وادي غزة يمنع الاحتلال فيها الزراعة، فهذه المنطقة يكشفها موقعان إسرائيليان ويقومان بتمشيط المناطق ما يجعل العمل الزراعي مستحيلا حتى على بعد مئات الأمتار عن الخط الأصفر، وهذا الحال ينطبق على شرق دير البلح، لافتا إلى أن المساحة المزروعة حاليا تبلغ 4000 دونم على امتداد كامل القطاع.



