القدس المحتلة - شبكة قُدس: في تصعيد جديد يستهدف المسجد الأقصى، تتكشف ملامح مرحلة أكثر خطورة يسعى فيها الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض سيطرته على المقدسات في القدس المحتلة، ليس فقط عبر الاقتحامات المتكررة، بل من خلال إحكام قبضته على إدارة المكان وقرارات فتحه وإغلاقه.
قالت مؤسسة القدس الدولية، إن شرطة الاحتلال أعلنت يوم أمس فتح المسجد الأقصى المبارك، وسائر المقدسات في البلدة القديمة في القدس، وذلك بناء على تعليمات "الجبهة الداخلية" الإسرائيلية التي كانت قبل ذلك بساعات قد أعلنت عودة الحياة الطبيعية في مدن فلسطين المحتلة عام 1948، لاحقا لفرض أطول إغلاق للمسجد الأقصى منذ تحريره من الفرنجة منذ أكثر من ثمانية قرون، دام لمدة 40 يوماً، شملت عشرين يوماً من رمضان منعت فيها الصلوات بما فيها التراويح، ومنع فيها الاعتكاف في العشر الأواخر، وفي ليلة القدر، وفي صلاة عيد الفطر، كما شملت خمس جمَعٍ متتالية. وقد أتبعت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، والتابعة للحكومة الأردنية، تلك القرارات بإعلان فتح الأقصى بدءاً من صلاة فجر اليوم الخميس 9-4-2026، ودون تحديد للأعداد، وفق مؤسسة القدس الدولية.
وقد فُتح المسجد الأقصى للمسلمين اليوم بالتزامن مع أذان الفجر، موضحة أنه "بعد أقل من 45 دقيقة من نهاية صلاة الفجر، هاجمت شرطة الاحتلال المصلين بالهراوات، وطردتهم من ساحات المسجد الأقصى، واعتقلت مرابطةً واثنين من المرابطين، فأخلت الساحات للمستوطنين الصهاينة الذين حشدوا لاقتحام اليوم كأنه أحد اقتحامات أعيادهم الأساسية، فاقتحم الأقصى 492 مستوطناً على عدة أفواج، تعمدت الغناء والرقص وأداء الطقوس الجماعية طوال مسار اقتحامها، ونفخوا في البوق في المسجد الأقصى تعبيراً عن "فرض سيادتهم" عليه، وأدوا الانبطاح الكامل "السجود الملحمي" على ثراه بالعشرات، ضمن مسعاهم المستمر لفرض الطقوس التوراتية في الأقصى باعتبارها تأسيساً معنوياً للهيكل المزعوم، تمهيداً لتأسيسه المادي، وقد مددت لهم الوقت المخصص للاقتحام لنصف ساعة إضافية، لتصبح ست ساعات ونصف، في تعميق لوقائع التقسيم الزماني للمسجد الأقصى".
وأكدت مؤسسة القدس الدولية أن تجربة إغلاق الأقصى وفتحه بأوامر شرطة الاحتلال، وعزل الأقصى على مدى شهر رمضان المبارك وعيد الفطر، جاءت استكمالاً لاغتصاب الوظائف الأساسية الثابتة للأوقاف الإسلامية في القدس التابعة للأردن، وخطوة إضافية على طريق إلحاق أحد أقدس مقدسات المسلمين بالسيادة الإسرائيلية المزعومة، تمهيداً لتغيير هويته.
وأشارت إلى أن الإغلاق الأخير للمسجد الأقصى يتوج سلسلة تاريخية من الإجراءات التي كرسها الاحتلال لسحب صلاحيات الأوقاف الأردنية بدءًا من فرض موقع شرطة الاحتلال في صحن الصخرة داخل المسجد الأقصى عام 1982، واغتصاب صلاحية إدخال السياح الأجانب للأقصى عام 2002، وفرض الاقتحامات اليومية للمستوطنين في 2003، وفرض أوقات مخصصة لاقتحامات المستوطنين في 2008، ومن ثم فرض رقابة الاحتلال التامة على إعمار الأقصى بدءاً من 2011، ومحاولة فرض التقسيم الزماني التام في 2015، ومحاولة فرض البوابات الإلكترونية في 2017، وتركيب نظام كاميرات ونظام صوتي موازٍ تابع للاحتلال في الأقصى بدءاً من 2018، ومحاولة اقتطاع مصلى باب الرحمة في 2019، واغتصاب صلاحية ترميم أسوار الأقصى الخارجية كذلك في 2019، ثم فرض دوريات الاحتلال الراجلة فوق رؤوس المصلين في 2024 والسماح لهم بالطقوس العلنية الجماعية، ثم السماح لهم بالرقص والغناء في الأقصى في 2025، وبعدها مداهمة عدد من مرافق الأقصى ومنع إعادة تركيب الأقفال لها في 2026، وصولاً إلى انتزاع قرار فتح وإغلاق المسجد على مدى إغلاقين للأقصى في حرب الإثني عشر يوماً في 2025 وفي الحرب الحالية 2026.
ووجهت المؤسسة، نداء إلى الأمة العربية والإسلامية، ليعلم الجميع بأن الاحتلال قد تمكن من فرض شرطته باعتبارها الإدارة الفعلية للمسجد الأقصى، وهمش مكانة الأوقاف الإسلامية في القدس التابعة للحكومة الأردنية، لتدير ما يُسمح به من حضور إسلامي في الأقصى، وضمن اشتراطات شرطة الاحتلال.
وأكدت أن المسجد الأقصى اليوم يمر بأسوأ مرحلة انكشاف عن أي غطاء إسلامي يحميه، وقد سبق أن مرّ بمراحل انكشافٍ بعد احتلاله في 1917 فتصدى لذلك المجلس الإسلامي الأعلى الذي مثل علماء فلسطين وشخصياتها، واستعان بحكام ورجالات العرب والمسلمين في مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، ثم دخل في مرحلة انكشاف في 1967 تصدت لها الهيئة الإسلامية العليا التي تشكلت من مكونات مشابهة، مهدت للأوقاف الأردنية بأن تستعيد دورها في الأقصى؛ واليوم نحن أمام مرحلة أسوأ لا يفقد فيها الأقصى الإدارة الإسلامية له فحسب، بل ينصّب فيها الاحتلال إدارة غريبة عن هويته لتعمل على تقسيمه تمهيداً لتهويده الكامل.
كما وجه نداء إلى الأردن الرسمي بكل مكوناته، وإلى الأوقاف الإسلامية في القدس، بأن وجود الأوقاف الإسلامية والدور الأردني التاريخي في القدس مهدد بشكل وجودي، وبأن الاحتلال يعمل على تهميشه والتضييق عليه بشكلٍ متتالٍ تمهيداً للتخلص منه، بحيث يغدو دوراً مفرغاً وشكلياً لا يجد من يدافع عنه، وهي نيّة ليست مخفية، وقد سبق للاحتلال تطبيقها قبل شهور مع الأوقاف الفلسطينية في المسجد الإبراهيمي الذي ألحقه بمجلس مستوطنة كريات أربع، وسبق أن حاول فرضه على المسجد الأقصى في عام 1967 بمحاولة إلحاقه بوزارة الأديان الإسرائيلية، لكن الهيئة الإسلامية العليا تمكنت من إفشاله وقتئذ.
وتوجهت للأمة بقياداتها ومفكريها وعلمائها وشعوبها، وإلى النظام الرسمي العربي والإسلامي، بأن التحدي الحالي بات يزيد عن طاقة الأردن وحده، وبات يفرض تحركاً شعبياً ورسمياً مختلفاً، للتصدي لهذا التغول الساعي لتهويد الأقصى بالكامل وتحويله إلى هيكل، والاستجابة لهذا التحدي باستراتيجية تضع حماية المسجد الأقصى والإعداد لتحريره عنواناً لمشروع شامل.
ودعت أهلنا في القدس والداخل المحتل عام 1948، وكل قادر على الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك من أهل الضفة الغربية، إلى أن يشدوا الرحال إلى المسجد الأقصى، وأن يكثفوا الصلاة والرباط فيه، وأن يتحول شد الرحال إليه إلى حراكٍ مركزي في كل بلدة ومدينة، دفاعاً عنه في وجه مشروع تقسيمه وتهويده، ليكونوا كعهدهم الدرع الذي يحميه.



