ماذا يريد هؤلاء الذين يتعجلون انهيار إيران على يدي أميركا وإسرائيل من حركة مقاومة للاحتلال الصهيوني مثل "حماس" أن تفعل؟ وأين تقف في هذا العدوان الإجرامي على الشعب الإيراني؟ هل المطلوب منها أن تبتهل مع المبتهلين لانتصار المعسكر الصهيوني، وتنبح مع النابحين ضدّ محور المقاومة حتى يرضى عنها سرب الدجاج، فلا تفقد ما تسمّى "حاضنتها السنّية"؟
السؤال الذي ينبغي الإجابة عنه قبل ذلك: هل حقّاً توجد ما توصف بأنّها "الحاضنة السنّية"، وهل قدّمت هذه الحاضنة للمقاومة الفلسطينية، وفي القلب منها حركة حماس، شيئاً في مواجهة عدوان صهيوني متواصل منذ عقود، بلغ حدّه الأقصى من الإجرام والوحشية منذ "7 أكتوبر" (2023) وحتى إعلان ما يسمّى مجلس السلام الذي سلّم غزّة إلى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وسط تصفيق وتأييد ثماني دول، كلّها بالمصادفة ممّا يقال عنها دول "الحاضنة السنّية"؟
لم نغادر بعد لحظة "طوفان الأقصى" الذي غدر به عرب الحاضنة السنّية قبل أن يخوض ضدّه الحلف الإسرائيلي الأميريكي أقذر حرب إبادة عرفها التاريخ. والمواقف لا تزال طازجة وساخنة، وتنطق بمن منع عن غزّة المحاصرة الدواء والغذاء، ومن فتح خزائنه لترامب يغرف منها كما يشاء، ومن أطلق إعلامه ودعاته لنهش المقاومة، ومن استثمر الفجيعة ليطوّر علاقاته التجارية مع الاحتلال الصهيوني ويحصل منه على الغاز الطبيعي المسروق من فلسطين. وفي مقابل هؤلاء كلّهم: مَن سارع إلى إسناد المقاومين بالسلاح والدعم السياسي في كلّ المحافل الدولية؟
تكره الحاضنة السنّية المزعومة المقاومة، فكرة ومشروعاً ومفردةً، وتستعجل فناءها، كما تستعجل إبادة إيران على يد ترامب كي تستلقي تحت أشعة الشمس على شواطئ الشرق الأوسط الجديد بقيادة الكيان الصهيوني. وهذا معلَن ومثبت منذ ما قبل "طوفان الأقصى" بسنوات عديدة، منذ ما قبل انضواء عرب تلك الحاضنة السنّية تحت رئاسة إسرائيل في قمّة النقب، وقبل ذلك بكثير منذ العام 2024 حين أعلن بنيامين نتنياهو تدشين "محور الاعتدال" الذي يضمّ الكيان الصهيوني ولفيفاً من دول تلك الحاضنة السنّية المطبِّعة التي تنتظر التطبيع بشوق حارق.
ما المطلوب من "حماس" في هذا الصراع حقّاً؟ أن تدعم الصهيوني ضدّ المقاومة اللبنانية وإيران واليمن؟ أم أن تغنّي وتتمايل على أنغام أغنية "God Bless the U.S.A" في قاعة فارهة يقف فيها الجميع إجلالاً لأميركا ودونالد ترامب قبل أن يطير بتريليونات خمس من الدول العربية عائداً إلى واشنطن لكي يغدق على إسرائيل منها؟
تدرك المقاومة الفلسطينية جيّداً، ومعها جمهورها العربي، أن هؤلاء الذين يجلدونها على انفتاحها على المحور الإيراني ودوائره في بيروت ودمشق، يطلّون من نوافذ طائفية تدّعي الغيرة على الإسلام السنّي المعتدل من التورّط في علاقات تعاون مع إيران الشيعية، من دون أن يتوقّف أحد من هؤلاء عند مشاهد الانحناء والانبطاح المذرية التي تبدو عليها زعامات العواصم المعتدلة المستقيمة، في تركيا والسعودية ومصر والأردن والمغرب والخليج والسودان، أمام السيّد الإسرائيلي الذي يتولّى زعامة السنّة لمواجهة الخطر الإيراني.
مؤسفٌ أنّ هذه التي تسمّى "الحاضنة السنّية" هي الأكثر إساءة لمفهوم السنّة في نقائه واستقامته الروحية والأخلاقية، إذ لا يشرّف السنّة أن يرتبط اسمها بالهرولة نحو الالتحاق بالمشروع الأميركي الصهيوني ضدّ إيران المسلمة، كما لا يشرّفها أن يكون بعض المنتسبين إليها متواطئين مع من يعلن بكل وقاحة أنّه سوف يُبيد حضارةً عريقةً إن لم تركع أمام وحشيته.



