غزة - خاص قدس الإخبارية: منذ أشهر، يتكرر مشهد التفاوض والتهدئة في غزة، لكن خلف ستار الحديث عن الوساطات والمقترحات، تُخاض معركة من نوع مختلف: معركة سياسية وأمنية معقّدة، تُستخدم فيها المفاوضات كسلاح لا يقل فتكًا عن الصواريخ.
منذ استئناف العدوان، يروّج رئيس وزراء الاحتلال ووزير حربه لرواية مفادها أن العمليات العسكرية الجارية تهدف إلى ممارسة ضغط على المقاومة لدفعها إلى الإفراج عن الأسرى، دون الالتزام بما تقتضيه بنود وقف إطلاق النار، الذي تنصّل منه الاحتلال منتصف مارس/آذار الماضي.
لكن تتبّع سلوك الاحتلال على الأرض، وتفاصيل العملية التفاوضية، يكشف واقعًا مغايرًا تمامًا. فقد لجأ الاحتلال إلى المماطلة والتلاعب في كل محطة من محطات التفاوض، مع مواصلة جهوده الاستخباراتية، وتحديث بنك الأهداف، والاستعداد الميداني لاستئناف العدوان.
في العمق، يسابق الاحتلال الزمن لتطبيق سياسات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من القطاع، وتصفية وجودهم على أرضهم. وهي سياسات تُجسّد جوهر المشروع الصهيوني الإحلالي، الذي تتبناه حكومة الاحتلال اليمينية الحالية بشكل علني، من خلال تسريع خطوات "حسم الصراع"، ومحاولة الإجهاز على القضية الفلسطينية برمّتها، بدءًا من غزة، وصولًا إلى كل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة.
مشروع استئصال شامل... من غزة إلى الضفة والحدود الشمالية
من المهم الإشارة إلى أن ما يجري في قطاع غزة ليس حدثًا معزولًا عن سياق أشمل، بل هو امتداد مباشر لمشروع صهيوني يسعى إلى تصفية الوجود الفلسطيني، ليس فقط عبر القتل والدمار، بل من خلال إعادة هندسة الواقع السكاني والجغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فحكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، بقيادة بنيامين نتنياهو، تقود مسارًا واضحًا نحو "حسم الصراع"، وفق تعبيراتهم، وهو تعبير لا يُخفي مراميه الحقيقية: الإطباق الكامل على ما تبقى من القضية الفلسطينية، وإنهاء أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني يتمتع بالسيادة أو حتى بالهوية الوطنية الجامعة.
في هذا الإطار، تُعدّ الحرب على قطاع غزة أداة تنفيذ مباشرة لسياسة تهجير قسري ممنهجة، تهدف إلى تفريغ الجغرافيا من سكانها، وتغيير طابعها الديمغرافي والسكاني. فالضربات الإسرائيلية لا تكتفي بتدمير البنية التحتية والمنازل، بل تستهدف المقومات المجتمعية للوجود الفلسطيني، من المدارس والمستشفيات والمساجد إلى المراكز الحكومية والأسواق.
يترافق ذلك مع فرض وقائع ميدانية على الأرض، كشق محاور أمنية جديدة، وتجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتعطيل كامل للحياة الاقتصادية والخدماتية، في محاولة لدفع السكان إلى الهجرة، سواء داخلية من أماكن سكنهم إلى مخيمات النزوح، أو خارجية تحت غطاء "الطوعية".
غير أن المخطط لا يتوقف عند غزة. ففي الضفة الغربية، تتسارع وتيرة الاستيطان، وتُنفّذ عمليات تصفية ميدانية، خاصة في مخيمات شمال الضفة التي باتت تعيش مرحلة جديدة من الاجتثاث الأمني والسياسي.
وفي القدس، تتواصل عمليات التهويد بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعة بقوانين وتشريعات تعمل على سلب ما تبقى من الوجود الفلسطيني الشعبي والمادي في المدينة.
أما على الجبهات الشمالية، فقد تجاوزت إسرائيل حدود ما تسميه "الردع"، إلى سياسات عدوانية تنذر بتغيير قواعد الاشتباك بشكل جذري. الهجمات الجوية المتكررة على الأراضي السورية والاستيلاء على الأراضي، ومحاولات فرض معادلات جديدة في جنوب لبنان، بما في ذلك التحركات البرية والتمركزات الاستراتيجية، وهو ما يعكس سعيًا لفرض الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على المجال الإقليمي.
في المجمل، ما نشهده هو تطبيق واسع النطاق لرؤية استعمارية تسعى إلى تقويض أي إمكانية لصمود فلسطيني، سواء عبر الاجتياح المادي كما في غزة، أو عبر الاقتلاع التدريجي كما في الضفة والقدس، أو عبر تطويق البيئة الداعمة كما في سوريا ولبنان. وتبدو الحرب في غزة وكأنها رأس الحربة في هذا المشروع، لكنها ليست سوى واجهة متقدمة لمعركة شاملة على مستقبل فلسطين والمنطقة بأسرها.
العودة لأيام الحرب الأولى..
— شبكة قدس الإخبارية (@qudsn) April 4, 2025
"إسرائيل" تتغول وترتكب مجازر متتالية ويندى لها الجبين، في قطاع غزة
ماذا يجري منذ يومين؟ pic.twitter.com/XiKJ64feUZ
مرونة المقاومة كتكتيك مقابل نوايا الاحتلال المكشوفة
عندما ذهبت المقاومة الفلسطينية إلى اتفاق وقف إطلاق النار، لم يكن ذلك تعبيرًا عن ضعف أو استسلام، بل كان قرارًا سياسيًا مدروسًا بوعي شديد لتعقيدات اللحظة، وتقديرًا دقيقًا للمشهد الميداني والإنساني في قطاع غزة.
أدركت المقاومة أن الحاجة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الأوراق، ومعالجة التداعيات الإنسانية الكارثية، هي ضرورات لا تتناقض مع الثبات على المبادئ، بل تُعزز من قدرتها على الاستمرار في المعركة الطويلة. وبالتالي، أبدت مرونة محسوبة في التفاوض، شرط أن تؤدي هذه المرونة إلى مكاسب استراتيجية ملموسة.
من بين هذه المكاسب التي حرصت المقاومة على تثبيتها في الاتفاق، كان هناك بندان رئيسيان لا يقبلان التنازل: أولهما، عودة النازحين إلى شمال قطاع غزة، بما يعنيه ذلك من كسر لمخططات تحويل هذه المناطق إلى مناطق عازلة خالية من السكان.
وثانيهما، تفكيك المواقع العسكرية الإسرائيلية في محور نيتساريم، الذي كان يُراد له أن يُشكّل شريطًا أمنيًا يفصل شمال القطاع عن جنوبه، في تمهيد واضح لسيناريوهات التهجير القسري الجماعي تحت مسمى "الهجرة الطوعية".
كما حرصت المقاومة على تحقيق اختراق في ملف الأسرى، وإن كان بمفاتيح عددية محدودة مقارنة بالصفقات السابقة، فإن الأهمية الرمزية والإنسانية لهذا الملف جعلته من أولوياتها. فالإفراج عن أصحاب المحكوميات العالية، والأسرى القدامى، وأسرى قطاع غزة الذين اختطفتهم قوات الاحتلال خلال العدوان، يمثّل إنجازًا حقيقيًا، ويعيد الأمل لعائلات أنهكها الانتظار، ولقضية الأسرى التي تتعرض لمحاولات ممنهجة للطمس والإهمال.
بالمقابل، لم يكن الاحتلال في أي لحظة جادًا في احترام الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق. لقد دخل مسار التهدئة بهدف وحيد: انتزاع ورقة الأسرى بأقل ثمن ممكن، دون أن يقدّم شيئًا حقيقيًا في المقابل، لا على المستوى الإنساني ولا السياسي.
كان الرهان على أن ضغط الكارثة الإنسانية سيدفع المقاومة إلى مزيد من التنازلات، وأن استمرار الهدوء المؤقت سيفتح نافذة لإحداث شروخ داخلية في الموقف الفلسطيني، ويمنح الاحتلال فرصة للتجهيز لعدوان جديد، قد يبدو "مبررًا" في نظر المجتمع الدولي بعد تعثّر التفاهمات.
ما لم يُدركه الاحتلال أن المقاومة، رغم مرونتها، لا تتحرك في فراغ، بل توازن بدقة بين مقتضيات الواقع ومتطلبات الصمود، وتُدير المفاوضات كجزء من المعركة، لا كبديل عنها.
عدوان بحلّة جديدة: استراتيجيات الاحتلال بعد التهدئة
مع اللحظات الأولى لانهيار التهدئة، بدا أن الاحتلال الإسرائيلي لم يأتِ إلى الجولة الجديدة من العدوان بذات الأدوات والأساليب القديمة، بل أدخل تعديلات جوهرية على استراتيجيته العسكرية، مستفيدًا من التجربة الطويلة التي راكمها خلال شهور القتال داخل غزة.
فالتقييمات الأمنية الإسرائيلية التي نُفذت خلال فترة التهدئة المؤقتة، قدّمت للقيادة السياسية والعسكرية "خلاصات عملياتية" شجعتها على العودة إلى الميدان بخطة عدوانية محدثة، تحمل مزيجًا من الانتقام والفشل المبطّن.
تجلّت هذه الاستراتيجية الجديدة في ثلاث مستويات متزامنة:
- الأول، استهداف مباشر لقيادات ومفاصل حيوية في بنية المقاومة، من خلال توسيع قوائم الاغتيالات وتشديد الملاحقة الاستخباراتية للكوادر الميدانية.
- الثاني، توسيع نطاق التدمير للبنى التحتية المجتمعية والخدمية، بما يشمل المرافق الحيوية التي تشكّل العمود الفقري للتماسك الاجتماعي وإدارة الطوارئ التي تسير الشؤون الحياتية لأهالي القطاع.
- الثالث، فهو تكثيف عمليات الإخلاء القسري للسكان في مناطق سبق أن عادوا إليها بعد اتفاق وقف إطلاق النار، في محاولة لإعادة تدوير سيناريو النزوح، وتحويل المعاناة إلى أداة ضغط جماعي.
لقد سعى الاحتلال، من خلال هذه الإجراءات، إلى تحقيق عدة أهداف في آنٍ واحد: إعادة شلّ قدرات المقاومة دون خوض مواجهات برية واسعة تُكلّفه خسائر مباشرة، وإضعاف قدرة المجتمع الغزي على الثبات عبر ضرب شبكات الدعم والإسناد، وإشاعة حالة من الفوضى والقلق بهدف تفكيك التماسك الأهلي.
كان لافتًا أن التعليمات اليومية بالإخلاء شملت رقعة جغرافية واسعة، امتدت من شمال القطاع حتى جنوبه، ما يشير إلى أن الاحتلال لم يتحرك وفقًا لأهداف عسكرية محددة، بل إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي في القطاع برمّته.
ضمن هذا السياق، كشفت تصريحات نتنياهو ووزير حربه عن بُعد إضافي في الخطة: تحويل الحرب إلى فرصة "للاستيلاء على الأراضي"، وهو ما تجلّى بشكل أوضح في إعلانهم عن إنشاء محور "موراج" الفاصل بين رفح وخانيونس، والذي يهدف فعليًا إلى تحويل مدينة رفح إلى شريط عازل يفصل غزة عن الحدود المصرية.
في محاولة خبيثة لرسم حدود جديدة داخل القطاع، تمهيدًا لتفكيكه ديموغرافيًا، وتحويل كل جزء فيه إلى "كانتون محاصر" تحت إشراف أمني إسرائيلي مباشر أو غير مباشر واستعادة خطة "الأصابع الخمس" الذي وضعها رئيس وزراء الاحتلال السابق، أرئيل شارون.
هكذا، لم تكن العودة الإسرائيلية للعدوان مجرد استئناف للمعركة، بل كانت حلقة متقدمة من خطة استراتيجية تهدف إلى تثبيت مكاسب ميدانية تُحقّق ما عجزت عنه العمليات البرية السابقة. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية رغم قسوتها، لم تستطع تجاوز حقيقة أساسية: أن بنية المقاومة لا تزال متماسكة، وأن الشعب الغزي، برغم الجراح، لم يُلقِ السلاح ولا الراية، وهو ما سيجعل هذه الجولة، كسابقاتها، مرشحة للاستنزاف والفشل طالما بقيت إرادة الصمود حاضرة.
أنين الخذلان في غزة.. أين العرب؟؟ pic.twitter.com/58NMoG5b1j
— شبكة قدس الإخبارية (@qudsn) April 5, 2025
تكتيك الصمت والانضباط الميداني
على خلاف ما اعتاده الاحتلال من المقاومة الفلسطينية خلال جولات التصعيد السابقة، لم تأتِ استجابة المقاومة لاستئناف العدوان الأخير بالصورة النمطية المباشرة.
لم تسارع الفصائل إلى إطلاق الصواريخ، ولا إلى تنفيذ عمليات هجومية متقدمة، بل اختارت أن تمارس "الانضباط الميداني" وتمدّد حالة الصمت العسكري، في خطوة لم تكن وليدة التردد أو الارتباك، بل نتاج قراءة دقيقة لخلفيات الهجوم الإسرائيلي وأهدافه الحقيقية.
لقد بدا جليًا أن المقاومة قرأت بين سطور التصعيد محاولة من الاحتلال لجرّها إلى معركة في توقيت اختاره العدو، ووفق قواعد اشتباك تخدم استراتيجيته الانتقامية. ولذلك، جاء قرار الصمت الميداني –مع كل ما يحمله من جرأة سياسية ومخاطرة إعلامية– كتعبير عن حكمة عسكرية وحنكة تفاوضية، هدفها إرباك خطط الاحتلال وخلخلة استراتيجياته النفسية والإعلامية، التي كانت تراهن على رد فعل سريع يُعيد الاشتباك إلى المربع الأول.
هذه الاستراتيجية لم تكن عشوائية، بل كانت محاطة بقدر كبير من الغموض والتكتم، ما زاد من ارتباك قيادة الاحتلال، التي وجدت نفسها في مواجهة خصم لا يتحرك بردّ فعل تلقائي، بل يملك قراره السياسي والعسكري ويُحسن توظيفه.
وجاء تصريح الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، ليؤكد هذا النهج، حين كشف أن بعض أسرى الاحتلال موجودون في المناطق التي يُخطط الاحتلال لاستهدافها ضمن موجات الإخلاء القسري والهجمات الجوية والبرية.
لم يكن هذا التصريح استعراضًا إعلاميًا بقدر ما كان تحذيرًا محسوبًا يضع الاحتلال أمام معادلة جديدة: أي توسع في العدوان على تلك المناطق سيضع حياة أسراه في مهب الخطر، وسيُحمّله مسؤولية مباشرة أمام جمهوره ومؤسساته.
وهنا تحديدًا يتجلّى البُعد الاستراتيجي في سلوك المقاومة. فهي لا تردّ بشكل انعكاسي، بل تصوغ معادلات ردع معقّدة، تُربك مراكز القرار "الإسرائيلي"، وتُفقد الاحتلال القدرة على تقدير الخطوة التالية.
وفي الوقت الذي تبدي فيه المقاومة مرونة سياسية في غرف التفاوض، فهي على الأرض تتخذ تكتيكيات كفيلة بجعل كل قرار عدواني مقرونًا بتكلفة باهظة، سواء في الأرواح أو في صورة المؤسسة الأمنية والسياسية أمام جمهورها.
بذلك، لم تكن المقاومة في حالة دفاع فحسب، بل مارست نوعًا من الهجوم الصامت، الذي يقوم على استنزاف العدو معنويًا، وكسر إيقاعه، وتبريد حماسة جبهته الداخلية، وهو تكتيك لا يقل فاعلية عن إطلاق الصواريخ أو نصب الكمائن، بل ربما يتفوّق عليها حين تكون المعركة سياسية وإعلامية بقدر ما هي ميدانية.
حسابات دقيقة ومرحلة مصيرية
منذ اللحظة الأولى لاستئناف العدوان، لم يُخفِ الاحتلال الإسرائيلي نواياه الحقيقية من جولات التفاوض، والتي تعامل معها كغطاء لخداع المقاومة، ووسيلة لشراء الوقت، واستكمال مسار التصفية الكبرى الذي تسعى له الحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة نتنياهو.
فالمفاوضات، بالنسبة للاحتلال، لم تكن أبدًا مسارًا لإنهاء الحرب، بل كانت جزءًا من أدواتها، تُستخدم لتضليل الوسطاء، واستنزاف المقاومة سياسيًا، وضرب الروح المعنوية للمجتمع الفلسطيني المنهك.
لقد رفع الاحتلال سقف مطالبه إلى حدود غير مسبوقة، مطالبًا بتسليم الأسرى، وتجريد المقاومة من سلاحها، وخروج قيادتها من قطاع غزة، مع الإبقاء على السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وتنفيذ خطط التهجير الجماعي تحت مظلة "خطة ترامب".
هذه الشروط تعكس إدراك الاحتلال أنه فشل في تحقيق هذه الأهداف بالقوة العسكرية، فيسعى الآن لانتزاعها عبر طاولة التفاوض، مدعومًا بضغط دولي وانكشاف إقليمي، وتواطؤ أمريكي يتجاوز الشراكة السياسية إلى الدعم الكامل في تنفيذ مشروع الإبادة والتفريغ.
المقاومة، في المقابل، لا تبدو غافلة عن هذه النوايا. تدرك أن الاحتلال يستخدم جولات التفاوض كجزء من استراتيجية خداع ممنهجة، وأن التلاعب بالوسطاء يهدف إلى تمرير الوقت وضرب الجبهة الداخلية للمقاومة.
الخطر الحقيقي في هذه المرحلة لا يكمن في استمرار العدوان وحده، بل في محاولات تأبيد الحرب تحت مسميات "المفاوضات" و"التهدئة المؤقتة" و"خطط ما بعد الحرب"، بينما يجري على الأرض فرض وقائع تهدف إلى شطب حق العودة، وتقسيم القطاع، وسلخ الضفة، وإنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية أو حتى كيان موحد.
لهذا، تقف المقاومة اليوم أمام مسؤولية تاريخية كبرى، لا تتعلق فقط بالرد على العدوان أو إطلاق الصواريخ، بل بصياغة استراتيجية وطنية شاملة تُعيد تعريف شروط المواجهة، وتمنع الاحتلال من تحويل "المعركة السياسية" إلى مكسب استراتيجي يعوّض فشله في الميدان.
وبناء عليه فإن كل قرار سياسي أو ميداني في هذه اللحظة هو قرار مصيري، تتوقف عليه ملامح ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني، وسط انهيار عربي، وشلل أممي، وشراكة أمريكية سافرة في مشروع التصفية.
وفي ضوء هذا الواقع، فإن المقاومة لا تملك ترف الوقت أو الخطأ. بل تمتلك الإرادة، والمشروعية، والتجربة التي تُخوّلها أن تكون الطرف الوحيد القادر على إفشال مخطط تصفية القضية، لا بالصمود وحده، بل برسم ملامح معركة الوعي والسياسة والميدان معًا.