رام الله - شبكة قُدس: بعد أزمة الوقود التي شهدتها الضفة الغربية من أكثر من أسبوع، وما كشفت عنه من هشاشة في إدارة قطاع المحروقات، أعادت الحكومة الفلسطينية طرح مشروع إنشاء "شركة المحروقات الوطنية" للمرة الثانية، باعتباره أحد أبرز الحلول التي تقول إنها ستسهم في تنظيم السوق وتعزيز الرقابة على عمليات الاستيراد والتوزيع.
وفي بيان مشترك بين وزارة المالية والهيئة العامة للبترول وأصحاب نقابات المحروقات والغاز في الضفة، عقب اجتماع بينهما؛ أكد وزير المالية في الحكومة الفلسطينية اسطفان سلامة، أن لدى الحكومة خطة عمل واضحة لإدخال مزيد من إجراءات الحوكمة على قطاع المحروقات، بما في ذلك إنشاء "شركة المحروقات الوطنية".
وأكد سلامة، على أن الشركة الحكومية، ستكون حكومية مملوكة بالكامل من الدولة، بالإضافة إلى عدد من الإجراءات التنظيمية التي تهدف للحفاظ على المال العام من جهة، وضمان الشفافية ووضع الرأي العام في صورة ما يتم اتخاذه من قرارات من جهة أخرى.
كما شدد على أن أية قرارات أو اجراءات بما في ذلك منح التراخيص ستخضع للقانون ومبادئ الشفافية والنزاهة.
وبحث سلامة وقطاع المحروقات والغاز، جملة من التدخلات السريعة الكفيلة بزيادة وتيرة التوريد إلى السوق، والتغلب على التحديات القائمة، بحيث تعمل الهيئة العامة للبترول على توريد الكميات التي تطلبها محطة الوقود، وفقا لترتيبات مسبقة بين الجانبين بما يلبي احتياجات السوق الكاملة، وباتباع الإجراءات التنظيمية التي تضمن عمليات توريد في المسارات الرسمية حصرا.
وذكر سلامة، التحديات المتعلقة بتراكم عملة الشيقل في محطات الوقود، ووعد بتكثيف العمل والضغط مع الجهات ذات العلاقة للتخفيف من حدة هذه الأزمة، بالتوازي مع توسيع استخدام أدوات الدفع الإلكترونية، بما يساهم في زيادة توريد مشتقات المحروقات، وتخزين كميات احتياطية في المحطات للحفاظ على الدورة الاقتصادية واستدامة المواصلات العامة، في ظل الظروف الاستثنائية والتطورات الإقليمية الحالية.
واتفق سلامة مع أصحاب محطات الوقود والغاز، على تشكيل لجنة مشتركة تكون في حالة انعقاد دائم، مهمتها متابعة مخرجات الاجتماع، والتعامل مع أية تحديات يومية بشكل فوري، لضمان استمرار توريد المحروقات إلى السوق بشكل مستقر.
وفي جلستها الأخيرة، الثلاثاء الماضي، قالت الحكومة الفلسطينية، إن أزمة الوقود تعود لـ نقص التوريد من المصدر، إلى جانب أزمة تكدس الشيقل بسبب إجراءات الاحتلال، فضلًا عن مبالغة البعض في التعبئة والتخزين، مشيرة إلى أنها تعمل على رفع كميات التوريد والمراقبة على تدفق المحروقات وأوضاع محطات الوقود. مؤكدة أنه يجري الإعداد لفصل العمليات التجارية الخاصة بشراء المحروقات وتخزينها عبر شركة حكومية منفصلة عن هيئة البترول التي سيتركز اختصاصها على تنظيم القطاع.
وسبق أن كشفت مصادر خاصة، لـ شبكة قدس، أن سقف الدين الذي تسمح به الشركات الإسرائيلية يبلغ 800 مليون شيقل، إلا أن مديونية السلطة تجاوزت مليارًا ونصف المليار شيقل، الأمر الذي دفع تلك الشركات إلى اقتطاع جزء من قيمة كل دفعة مالية تُحوَّل إليها لسداد الديون. وفي هذا السياق، يقول المصدر: "على سبيل المثال تحول محطات المحروقات مبلغ 50 مليون مقابل وقود، فتجري الشركات الإسرائيلية خصم 10 مليون من الدين، وتورّد وقودًا بقيمة 40 مليون".
ولا تقتصر أسباب الأزمة، وفق المصادر، على المديونية المتراكمة، بل تمتد إلى أزمة تكدس عملة الشيكل في البنوك، والتي حدّت من قدرة محطات الوقود على إيداع الأموال وتحويل قيم المحروقات المطلوبة شهريًا، إضافة إلى عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها المالية بعد بلوغها الحد الأقصى من الاقتراض، وتوقف البنوك عن منحها مزيدًا من التسهيلات.
وفي ضوء ذلك، اتجهت الحكومة في رام الله إلى خطة تقوم على تأسيس شركة جديدة لشراء الوقود، وهي خطوة تصفها المصادر بأنها تمثل "الهروب للأمام". وتشرح أن الحكومة من المرجح أنها ستسعى إلى استقطاب مستثمرين لتأسيس شركة تمتلك فيها الحصة الأكبر بنسبة 51%، مقابل 49% للقطاع الخاص "المقرب من الحكومة"، على أن يتولى الشريك الخاص سداد الديون المتراكمة البالغة ثلاثة مليارات شيقل بشكل مباشر، ثم يستردها لاحقًا من أرباح الشركة على مدى سنوات قريبة.
وتبدي المصادر مخاوف من أن يكون تحقيق هذه الأرباح مرهونًا برفع أسعار المحروقات على المستهلكين، مشيرة إلى أن إيرادات الحكومة في رام الله من قطاع المحروقات تتجاوز 12 مليار شيقل سنويًا، وأن إنشاء الشركة قد يهدف إلى زيادة هامش الربح بما يسمح للحكومة وشريكها الخاص باسترداد ما سيدفعانه لتسوية الديون. وترى أن هذا المسار قد يفتح الباب مستقبلًا أمام تحويل الشركة الحكومية إلى شركة خاصة بالكامل.
وفي موازاة ذلك، تكشف المصادر أن نقابة محطات المحروقات وجّهت، قبل نحو شهر، ثلاثة كتب رسمية إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس الوزراء محمد مصطفى، ووزير المالية استيفان سلامة، طالبت فيها بعقد لقاء مع الجهات المختصة لتوضيح أسباب إنشاء الشركة الحكومية ودوافعها، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد حتى الآن.
كما يؤكد أحد مصادر شبكة قدس أن الحكومة كانت قد اقترحت سابقًا على نقابة محطات المحروقات الحصول على قرض بقيمة ثلاثة مليارات شيقل من البنك العربي، بضمانة حكومية مع تكفل الحكومة بسداد الفوائد، غير أن أصحاب المحطات رفضوا المقترح.
وتربط المصادر بين قرار تأسيس الشركة الحكومية وما تشهده العلاقة بين الحكومة وأحد أبرز أصحاب محطات الوقود، طارق النتشة، الذي تتهمه السلطة بتهريب المحروقات من الشركات الإسرائيلية وتلاحقه على خلفية هذه القضية. وتقول: "لا يوجد دخان بلا نار.. توقيت الأزمة بين النتشة والحكومة مفتعل حيث زادت الأزمة بعد بدء ملاحقته كونه يمتلك شبكة تزيد عن 30 محطّة وتعتمد محطاته في أزمات نقص الوقود بسبب أزمات السلطة المالية، على إدخال الوقود من الجانب الإسرائيلي بشكل مباشر وليس عن طريق هيئة البترول وهو أمر ليس بالجديد ومعلوم لدى السلطة منذ سنوات، لكن جاء توقيت ملاحقته على هذه الخلفية تزامنًا مع التمهيد لتأسيس شركة حكومية، بحيث تظهر الشركة كأنها حاجة ماسّة".
واعتبرت المصادر أن أزمة الوقود الراهنة "مفتعلة" وتعكس، بحسب وصفها، سوء إدارة السلطة لملف المحروقات، وهو ما أوجد سوقًا لإدخال الوقود عبر ما يُعرف بـ"التهريب".
وأشارت إلى أن الحكومة في رام الله كثفت في الفترة الأخيرة إجراءاتها في هذا القطاع، فأصدرت تعليمات عبر جهاز الدفاع المدني تمنع تعبئة الوقود في "الجالونات"، وشددت الرقابة على عمل المحطات، بالتزامن مع نشر أخبار عن ضبط شاحنات تهريب مرفقة بصور، وإصدار بيانات رسمية تتحدث عن إدخال ثلاثة ملايين لتر من الوقود يوميًا، وفق ما أعلنه رئيس هيئة البترول مجدي الحسن السبت الماضي. إلا أن المصادر تؤكد أن الكميات المعلنة "لم تدخل يوميًا"، معتبرة أن مجمل هذه الخطوات يهدف إلى تهيئة الرأي العام لفكرة أن "شركة حكومية" باتت ضرورة لإدارة ملف المحروقات.



