خاص قدس الإخبارية: كشفت مصادر خاصة، في حديث مع شبكة قدس الإخبارية، عن دوافع الحكومة الفلسطينية في رام الله وراء توجهها لتأسيس شركة حكومية تتولى شراء المحروقات وتخزينها، على أن يقتصر دور الهيئة العامة للبترول على الإشراف عليها، وفق ما أعلنه مجلس الوزراء الفلسطيني، أمس الثلاثاء. ويأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه محافظات الضفة الغربية أزمة وقود متواصلة، خلّفت طوابير يومية من المركبات أمام محطات التعبئة، نتيجة نقص الكميات الواردة من شركات التوريد الإسرائيلية.
وتعود خلفية القرار إلى جذور أزمة الوقود الحالية، والمتمثلة في المديونية المتراكمة على هيئة البترول، التي تبلغ نحو 1.3 مليار شيقل للبنوك المحلية، إلى جانب أكثر من 1.5 مليار شيقل مستحقة للشركات الإسرائيلية الموردة، ليصل إجمالي الديون إلى قرابة ثلاثة مليارات شيقل. وتوضح أن هذه الديون نتجت عن عدم تحويل الهيئة، خلال فترات سابقة، كامل المبالغ التي كانت تتقاضاها من محطات الوقود إلى الشركات الإسرائيلية، إذ كانت تحتفظ بجزء منها لتغطية نفقاتها التشغيلية، ما أدى إلى تراكم الالتزامات المالية وانعكس لاحقًا على كميات الوقود الواردة.
وتلفت المصادر إلى أن سقف الدين الذي تسمح به الشركات الإسرائيلية يبلغ 800 مليون شيقل، إلا أن مديونية السلطة تجاوزت مليارًا ونصف المليار شيقل، الأمر الذي دفع تلك الشركات إلى اقتطاع جزء من قيمة كل دفعة مالية تُحوَّل إليها لسداد الديون. وفي هذا السياق، يقول المصدر: "على سبيل المثال تحول محطات المحروقات مبلغ 50 مليون مقابل وقود، فتجري الشركات الإسرائيلية خصم 10 مليون من الدين، وتورّد وقودًا بقيمة 40 مليون".
ولا تقتصر أسباب الأزمة، وفق المصادر، على المديونية المتراكمة، بل تمتد إلى أزمة تكدس عملة الشيكل في البنوك، والتي حدّت من قدرة محطات الوقود على إيداع الأموال وتحويل قيم المحروقات المطلوبة شهريًا، إضافة إلى عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها المالية بعد بلوغها الحد الأقصى من الاقتراض، وتوقف البنوك عن منحها مزيدًا من التسهيلات.
وفي ضوء ذلك، اتجهت الحكومة في رام الله إلى خطة تقوم على تأسيس شركة جديدة لشراء الوقود، وهي خطوة تصفها المصادر بأنها تمثل "الهروب للأمام". وتشرح أن الحكومة من المرجح أنها ستسعى إلى استقطاب مستثمرين لتأسيس شركة تمتلك فيها الحصة الأكبر بنسبة 51%، مقابل 49% للقطاع الخاص "المقرب من الحكومة"، على أن يتولى الشريك الخاص سداد الديون المتراكمة البالغة ثلاثة مليارات شيقل بشكل مباشر، ثم يستردها لاحقًا من أرباح الشركة على مدى سنوات قريبة.
وتبدي المصادر مخاوف من أن يكون تحقيق هذه الأرباح مرهونًا برفع أسعار المحروقات على المستهلكين، مشيرة إلى أن إيرادات الحكومة في رام الله من قطاع المحروقات تتجاوز 12 مليار شيقل سنويًا، وأن إنشاء الشركة قد يهدف إلى زيادة هامش الربح بما يسمح للحكومة وشريكها الخاص باسترداد ما سيدفعانه لتسوية الديون. وترى أن هذا المسار قد يفتح الباب مستقبلًا أمام تحويل الشركة الحكومية إلى شركة خاصة بالكامل.
وفي موازاة ذلك، تكشف المصادر أن نقابة محطات المحروقات وجّهت، قبل نحو شهر، ثلاثة كتب رسمية إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس الوزراء محمد مصطفى، ووزير المالية استيفان سلامة، طالبت فيها بعقد لقاء مع الجهات المختصة لتوضيح أسباب إنشاء الشركة الحكومية ودوافعها، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد حتى الآن.
كما يؤكد أحد مصادر شبكة قدس أن الحكومة كانت قد اقترحت سابقًا على نقابة محطات المحروقات الحصول على قرض بقيمة ثلاثة مليارات شيقل من البنك العربي، بضمانة حكومية مع تكفل الحكومة بسداد الفوائد، غير أن أصحاب المحطات رفضوا المقترح.
وتربط المصادر بين قرار تأسيس الشركة الحكومية وما تشهده العلاقة بين الحكومة وأحد أبرز أصحاب محطات الوقود، طارق النتشة، الذي تتهمه السلطة بتهريب المحروقات من الشركات الإسرائيلية وتلاحقه على خلفية هذه القضية. وتقول: "لا يوجد دخان بلا نار.. توقيت الأزمة بين النتشة والحكومة مفتعل حيث زادت الأزمة بعد بدء ملاحقته كونه يمتلك شبكة تزيد عن 30 محطّة وتعتمد محطاته في أزمات نقص الوقود بسبب أزمات السلطة المالية، على إدخال الوقود من الجانب الإسرائيلي بشكل مباشر وليس عن طريق هيئة البترول وهو أمر ليس بالجديد ومعلوم لدى السلطة منذ سنوات، لكن جاء توقيت ملاحقته على هذه الخلفية تزامنًا مع التمهيد لتأسيس شركة حكومية، بحيث تظهر الشركة كأنها حاجة ماسّة".
وفي ختام حديثها، تعتبر المصادر أن أزمة الوقود الراهنة "مفتعلة" وتعكس، بحسب وصفها، سوء إدارة السلطة لملف المحروقات، وهو ما أوجد سوقًا لإدخال الوقود عبر ما يُعرف بـ"التهريب".
وتضيف أن الحكومة في رام الله كثفت في الفترة الأخيرة إجراءاتها في هذا القطاع، فأصدرت تعليمات عبر جهاز الدفاع المدني تمنع تعبئة الوقود في "الجالونات"، وشددت الرقابة على عمل المحطات، بالتزامن مع نشر أخبار عن ضبط شاحنات تهريب مرفقة بصور، وإصدار بيانات رسمية تتحدث عن إدخال ثلاثة ملايين لتر من الوقود يوميًا، وفق ما أعلنه رئيس هيئة البترول مجدي الحسن السبت الماضي. إلا أن المصادر تؤكد أن الكميات المعلنة "لم تدخل يوميًا"، معتبرة أن مجمل هذه الخطوات يهدف إلى تهيئة الرأي العام لفكرة أن "شركة حكومية" باتت ضرورة لإدارة ملف المحروقات.



