شبكة قدس الإخبارية

ماذا يقول انتخاب حماس رئيسا جديدا لمكتبها السياسي؟

1536x864_cmsv2_225d727e-07f7-5af6-868b-1c25171413d0-9520418

خاص قدس الإخبارية: حمل إعلان حركة حماس انتخاب خليل الحية، رئيساً جديداً للمكتب السياسي، دلالات على مستويات مختلفة، وقراءات عن الوضع التنظيمي والفلسطيني العام، مع المرحلة الحساسة في التاريخ الفلسطيني، بعد حرب الإبادة الجماعية، والتوحش الإسرائيلي في اندفاعة دولة الاحتلال نحو تحقيق طرد وتدمير كامل الشعب الفلسطيني، وبسط سيطرتها على المنطقة العربية والإسلامية.

اختبار جديد لقدرات الحركة التنظيمية

مرت حركة حماس، بمختلف أجهزتها التنظيمية السياسية والعسكرية، بمحطات قاسية، في حرب الإبادة، بعد استشهاد طيف واسع من القيادات التاريخيين، والمؤثرين في مسيرتها، في حملة الاغتيالات التي أطلقتها دولة الاحتلال، في فلسطين، وعلى مستوى المنطقة.

استشهد في حملة الاغتيالات رئيس المكتب السياسي، إسماعيل هنية، ونائبه صالح العاروري، ثم خليفته يحيى السنوار، مشتبكاً في رفح، مع معظم قيادات الجهاز العسكري، على رأسهم قادة الأركان محمد الضيف، ومحمد السنوار، وعز الدين الحداد، ومحمد عودة.

أرادت أجهزة الاحتلال من حملة الاغتيالات تحطيم أي قدرة للحركة، على الترميم والبناء، وإنهاء فرص استمرار مشروعها في المقاومة، عبر التركيز على المفاصل الحرجة، والهيكيليات الرئيسية، والعقول المخططة، والشخصيات القادرة على إعادة دمج ما يتوفر من طاقات في مشروع يتحدى الواقع.

عاشت حركة حماس، في تاريخها، امتحانات صعبة، فمنذ انطلاقتها تعرضت لحملات اعتقالات وملاحقات قاسية، واغتال الاحتلال عدداً كبيراً من قادتها خاصة المؤسسين والمركزيين في جهازها العسكري والتنفيذي، ونجحت في تجاوز هذه الاختبارات، والتأقلم مع الظروف، وبناء تنظيم مرن وقادر على العودة، بعد كل ضربة، وهو ما وضعها في قلب التأثير السياسي والعسكري، في الواقع الفلسطيني.

تؤكد الانتخابات الجديدة، في حركة حماس، وانتخابها رئيساً جديداً للمكتب السياسي، بمشاركة مختلف الهيئات والساحات فيها، كما أعلنت، على قدرة الحركة في الوفاء لتقاليدها في اختيار المسؤولين، عبر الانتخاب والمشاورة، رغم حجم الملاحقة والضربات الأمنية.

وتحتاج إدارة الانتخابات في تنظيم ممتد، وفي داخله أجهزة مختلفة، ويعمل في ساحات عدة، إلى عملية إدارية معقدة، وهو مؤشر آخر على قدرة الحركة على تجاوز الصعوبات ومجموعة المخاطر التي تتهدد عملها، وإدارة شؤونها الداخلية بما يتوفر أمامها من خيارات، هي جوهر التأقلم مع الواقع، ومحاولة إعادة ترميم الذات، والانسجام مع التحديات.

ويمكن قراءة انتخاب خليل الحية، رئيس وفد حماس المفاوض، ووالد الشهداء، والناجي من محاولات اغتيال فاشلة، على الحضور المركزي لقضية غزة، في الحركة، بعد التضحيات الواسعة التي قدمتها، في الحرب، والنجاح العسكري الكبير، في عملية طوفان الأقصى، في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

تحديات وتهديدات

تبرز أمام رئيس المكتب السياسي الجديد لحماس، خليل الحية، تحديات واسعة، على المستوى الفلسطيني، وفي العلاقة مع الإقليم، في مواجهة مخططات دولة الاحتلال، التي باتت تعلن بوضوح نيتها السيطرة على المنطقة.

تأتي قضية غزة كأولى التحديات، في سياق السعي لإبطال مخططات الاحتلال لإبقاء الوضع الإنساني في نطاق الكارثي، ومنع إعادة الإعمار، ورفض الانسحاب، بهدف خلق البيئة الطاردة للفلسطينيين، ودفعهم إلى الهجرة.

وتواجه حماس إشكاليات عدة، في ملف غزة، بينها التحالف بين الإدارة الأمريكية راعية اتفاق الهدنة ودولة الاحتلال، واتفاق نتنياهو وترامب على الخطوط الرئيسية، في مختلف الملفات، وبينها الملف الفلسطيني، وهو ما يجعل مواجهة المخططات الإجرامية الإسرائيلية، مع الدعم الأمريكي الذي تعيشه، بحاجة إلى جهود عربية وإسلامية ومن المتضامنين مع فلسطين، على مستوى استراتيجي، لا يكتفي ببيانات الإدانة وإعلانات الرفض، بل يدعم موقف المقاومة.

ويأتي التحدي الاستعماري، في الضفة الغربية، لجهة هجوم دولة الاحتلال على الفلسطينيين أرضاً وحياة، بهدف سرقة أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، وطرد أصحابها منها، وحشر الشعب الفلسطيني، في تجمعات محاصرة، بهدف تحقيق الأوهام التوراتية عن أرض إسرائيل الممتدة من فلسطين إلى الدول العربية.

عاشت الضفة الغربية، خلال حرب الإبادة الجماعية، هجوماً استخباراتياً وعسكرياً واسعاً على مجموعات المقاومة، استشهد خلاله مئات الفلسطينيين واعتقل آلاف آخرين، ومنح الدعم المفتوح من حكومة الاحتلال لجماعات المستوطنين نشوة عدوانية فتحت أمامها المدى في تكسير كل المعادلات، وصارت تهاجم قرى كانت تخشى أن تمر خلالها، في فترات صعود المقاومة، وتسرق وتحرق وتنهب وتقتل.

تزامنت الحرب العدوانية على الضفة الغربية وتدمير مخيمات الشمال، مع دخول السلطة الفلسطينية، في مرحلة جديدة، إذ تعلن اقترابها من الانهيار المالي، بفعل الحصار المالي الذي يفرضه عليها سموتريتش، بعد سرقة أموال المقاصة الفلسطينية، لكنها ترفض أي خطوة تقربها من مشروع للمواجهة يجمع كل الفلسطينيين، وأقدمت على تنفيذ عمليات ضد المقاومة، خاصة في مخيم جنين، وقطع رواتب عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، واتخاذ خطوات أخرى، الهدف الأساسي منها إرضاء المجتمع الدولي، لكن دون جدوى، لأن المنظومة الدولية لا تتحرك لوقف دولة الاحتلال، وتمنحها فرصة تنفيذ كل مشاريعها.

تضع هذه التهديدات أمام حماس، تحديات النهوض بالعمل التنظيمي، في الضفة الغربية، والوصول مع الأطراف الفلسطينية، إلى وحدة في سياق مشروع، يواجه تغول المستوطنين والاحتلال، مع واجبات أخرى تتعلق بالفلسطينيين في الداخل الفلسطيني المحتل 1948، الذين باتوا على يقين أن تهديدات التدمير والتهجير لا تستثنيهم.

وعاد دور الفلسطينيين، في الشتات، والمخيمات، للتقدم خلال حرب الإبادة، خاصة مخيمات لبنان، التي دخلت في دعم وإسناد غزة، عبر الجبهة الشمالية، وقدمت عديد الشهداء، وهو اختبار آخر أمام حماس وفصائل المقاومة، في استمرار استثمار الوجود الفلسطيني، في الخارج، على مستويات مختلفة بينها بناء تحالفات مع الداعمين لفلسطين، الذين وصل عدد منهم إلى مواقع مهمة في بلدانهم.

وفي الوقت الذي تعيش فيه فلسطين هذه الحرب، امتد شر الاحتلال إلى سوريا ولبنان وإيران واليمن والعراق وقطر، وهو ما يمثل تهديداً وفرصة في الوقت ذاته، إذ أن الاندفاع الإسرائيلي لبسط السيطرة على المنطقة، يفتح أمام المقاومة تثبيت مشروعيتها، في مواجهة الحملة الدعائية التي خاضتها أنظمة عربية، في سنوات ماضية، بهدف تحطيم فكرة أن "إسرائيل عدو"، في المخيال الجماعي العربي.

ومنح صمود إيران، في الحرب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال عليها، فرملة اندفاع المعادين للمقاومة، لإعلان دخول المنطقة في الزمن الإسرائيلي، وهو ما يفتح الباب أمام فرص أوسع لبناء تحالفات تكون المقاومة فيها وبينها حماس في القلب منها، على أساس الاتفاق على مواجهة العدوان ومنع التغول الإسرائيلي.

أثبت حماس مجدداً قدرتها على الاستمرار في تقاليدها التنظيمية، متأقلمة مع المخاطر والتهديدات الأمنية، ويتسلم رئيس مكتبها السياسي الجديد مهامه، وهو العارف بكل تفاصيل التحديات والتهديدات، في الحرب الشرسة مع الاحتلال.

 

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0