لا تكمن دلالة انتخاب د. خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس في مجرد ملء موقع ظل شاغرًا منذ استشهاد يحيى السنوار، ومن قبله الشهيد إسماعيل هنية، بقدر ما تكمن في اختبار قدرة الحركة على إعادة بناء قيادتها بعد حرب أطاحت عددًا من أبرز رموزها السياسية والعسكرية.
فالحية، الذي تولى خلال المرحلة الماضية قيادة الوفد المفاوض، وأصبح من أكثر شخصيات الحركة حضورًا في ملفاتها السياسية، يتسلم المسؤولية في واحدة من أعقد المراحل التي مرت بها حماس منذ تأسيسها.
لقد فقدت الحركة خلال الحرب قيادات تاريخية وازنة، في مقدمتها إسماعيل هنية ويحيى السنوار، إلى جانب شخصيات سياسية وعسكرية أدّت أدوارًا رمزية وتنظيمية يصعب تعويضها خلال فترة قصيرة، ولا سيما في ظل استمرار الاستهداف والضغوط الأمنية.
ومع ذلك، راكمت حماس عبر عقود تجربة تنظيمية وشورية مكّنتها من امتصاص الصدمات، وملء الشواغر، والمحافظة على قدر من التماسك. لكن نجاحها في تجاوز فراغ القيادة لا يعني أنها تجاوزت تداعياته؛ فالمشكلة الأعمق لم تعد في اختيار الرئيس فقط، بل في إعادة تنظيم العلاقة بين مراكز القرار والساحات المختلفة، وتعويض ما أصاب القيادة العسكرية التاريخية من خسائر، واستعادة قنوات التواصل والتنسيق التي أضعفتها الحرب.
وقد دفعت الظروف الميدانية، بعد اغتيال هنية والسنوار، باتجاه توسيع دور القيادة السياسية الجماعية خارج القطاع، باعتبارها الأقدر على الحركة والاتصال بالوسطاء وإدارة الملفات التفاوضية.
لن يواجه الحية تحديات تنظيمية داخلية فحسب، بل شبكة من الملفات الوجودية المتداخلة: تثبيت وقف الحرب، وإدارة المفاوضات، ومستقبل غزة في ترتيبات «اليوم التالي»، والعلاقة مع القوى الفلسطينية، فضلًا عن التحولات الإقليمية والدولية التي تعيد تشكيل علاقات الحركة مع الوسطاء والحلفاء والخصوم.
ومن هنا يبرز الاختبار الأصعب: الجمع بين القيادة الجماعية والقدرة على الحسم. فتعدد الساحات يفرض تشاورًا واسعًا يمنح القرارات الكبرى شرعيتها، ويحمي الحركة من تنازع مراكز القرار. لكن المشاورات قد تتحول، إذا غابت المرجعية المفوضة، إلى بطء أو عجز عن اتخاذ القرار في اللحظات المصيرية.
لذلك، تحتاج القيادة الجديدة إلى مؤسسية لا تمنع الحسم، وإلى قائد يمتلك الصلاحية من دون أن يستفرد بالقرار؛ يوسع دائرة المشاركة، لكنه لا يترك الحركة رهينة لتعدد المراكز والحسابات.
لن يمتلك خليل الحية عصًا سحرية تعوض القيادات التاريخية، ولن يُقاس نجاحه بمجرد المحافظة على موقع الحركة داخل معادلات الصراع.
مهمته الأكثر إلحاحًا هي الحفاظ على كينونتها وتماسكها، وإعادة ضبط مراكز القرار، وبلورة رؤية واقعية لدورها في المشهد الفلسطيني خلال الحرب وبعدها.
لذلك، فإن انتخاب الرئيس أنهى فراغ الموقع، لكنه دشّن اختبارًا أشد صعوبة: هل تستطيع القيادة الجديدة إعادة بناء الحركة بالسرعة التي تتغير بها البيئة من حولها؟



