شبكة قدس الإخبارية

لماذا يركز الاحتلال على استهداف رجال الشرطة في غزة؟ قراءة في الأهداف والدلالات

photo_٢٠٢٦-٠٧-٠١_١٤-٥٨-٥٢
رامي أبو زبيدة

أصبح استهداف الاحتلال الإسرائيلي لرجال الشرطة والأمن الفلسطيني في قطاع غزة حدثًا يمثل مسارًا ثابتًا ضمن استراتيجية إسرائيلية تستهدف إعادة تشكيل البيئة الأمنية والاجتماعية داخل القطاع. فالتكرار اللافت لاستهداف عناصر الشرطة ومقارها وآلياتها، خلال أداء مهام مدنية بحتة، يكشف أن الاحتلال ينظر إلى هذه المؤسسة باعتبارها أحد أعمدة الصمود الداخلي، وليس مجرد جهاز يقدم خدمات أمنية للمواطنين.

ومن خلال متابعة نمط العمليات خلال الأشهر الأخيرة، يتبين أن الاستهداف لم يعد يقتصر على مقار شرطية أو نقاط ثابتة، بل امتد ليشمل الدوريات والمركبات وأفراد الشرطة أثناء قيامهم بمهامهم في تنظيم الأسواق، وتأمين المساعدات الإنسانية، وفض النزاعات، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وهو ما يعكس تحولًا في بنك الأهداف الإسرائيلي من استهداف البنية العسكرية إلى استهداف البنية التي تحفظ الحد الأدنى من تماسك المجتمع.

في العقيدة الأمنية، لا تُقاس أهمية الشرطة بقدراتها القتالية، وإنما بوظيفتها في حماية النظام العام ومنع انهيار المجتمع. ومن هنا، فإن استهدافها لا يحقق مكاسب عسكرية مباشرة بقدر ما يحقق أهدافًا تتعلق بإضعاف قدرة المجتمع على تنظيم نفسه. فالشرطة في غزة، في ظل ظروف الحرب وتعطل معظم مؤسسات الحكم، أصبحت تمثل الحلقة الأساسية التي تمنع تحول الأزمات الإنسانية إلى انهيار أمني شامل، ولذلك فإن إضعافها يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية وأمنية واسعة يصعب احتواؤها.

ويبدو أن الاحتلال يدرك أن استمرار عمل الشرطة، حتى بإمكانات محدودة، يبعث برسالة مفادها أن المجتمع الفلسطيني ما زال يمتلك مؤسسات قادرة على إدارة شؤونه الداخلية، وهو أمر يتعارض مع الرؤية الإسرائيلية التي تسعى إلى تصوير القطاع باعتباره مساحة منهارة وعاجزة عن إدارة نفسها. لذلك فإن استهداف أفراد الشرطة لا يقتصر على البعد الأمني، بل يحمل بعدًا سياسيًا يتعلق بإضعاف أي مظاهر للحكم أو الإدارة المحلية، تمهيدًا لفرض ترتيبات جديدة تتوافق مع التصورات الإسرائيلية لمستقبل القطاع.

ويبرز بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في محاولة الاحتلال خلق فراغ أمني منظم داخل غزة. فالخبرة التاريخية في إدارة الصراعات تشير إلى أن تفكيك أجهزة إنفاذ القانون يؤدي تدريجيًا إلى انتشار الجريمة، واتساع نشاط العصابات، وارتفاع معدلات الفوضى، بما يرهق المجتمع ويستنزف قدراته الذاتية. ومن هنا يمكن فهم التزامن بين استهداف الشرطة وتصاعد الحديث عن نشاط المليشيات المتعاونة مع الاحتلال، إذ إن غياب المؤسسة المكلفة بحفظ الأمن يمنح مثل هذه المجموعات مساحة أوسع للحركة والتأثير.

ولا يمكن إغفال البعد الاستخباري في هذا السياق، إذ إن استهداف رجال الشرطة الذين يشاركون في ملاحقة المتعاونين أو مكافحة مظاهر الفوضى يمثل محاولة لحماية أدوات الاحتلال داخل القطاع، وإضعاف أي جهود تستهدف كشف شبكات الاختراق الأمني. فكلما نجحت الأجهزة الأمنية في تضييق الخناق على هذه الشبكات، ازدادت أهميتها كهدف بالنسبة للاحتلال، لأن بقاء بيئة الاختراق يمثل أحد أهم عناصر التفوق الاستخباري الإسرائيلي.

كما أن الاستهداف يحمل بعدًا نفسيًا واضحًا، فهو يستهدف رفع كلفة الانخراط في العمل الشرطي، وإرسال رسالة إلى العاملين في الأجهزة الأمنية بأن أداء واجباتهم سيجعلهم أهدافًا مباشرة. ويهدف ذلك إلى تقليص قدرة الشرطة على الانتشار الميداني، وإضعاف حضورها في الأماكن العامة، بما ينعكس سلبًا على شعور المواطنين بالأمن، ويؤدي إلى تراجع الثقة بقدرة المؤسسات على حمايتهم.

وتتجاوز هذه السياسة الداخل الفلسطيني لتشكل رسالة إلى الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في ملف غزة. فالاحتلال يسعى إلى فرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي نقاش يتعلق بإدارة القطاع بعد الحرب، عبر إضعاف المؤسسات القائمة ومنعها من استعادة دورها، بما يسمح بطرح بدائل أمنية وإدارية جديدة تتوافق مع الرؤية الإسرائيلية.

وفي تقديري، فإن استهداف رجال الشرطة لا يمكن فصله عن التحول الذي طرأ على الاستراتيجية الإسرائيلية خلال المرحلة الحالية. حيث أن الاحتلال انتقل بصورة أكبر إلى سياسة الاستنزاف طويلة الأمد، القائمة على إضعاف مقومات الصمود المجتمعي بدل الاكتفاء باستهداف القدرات العسكرية التي اصبحت محدودة بعد حرب الابادة على قطاع غزة. وفي هذا الإطار، تصبح الشرطة هدفًا استراتيجيًا لأنها تمثل المؤسسة التي تحول دون انهيار الجبهة الداخلية، وتحافظ على الحد الأدنى من النظام في مجتمع يعيش ظروفًا استثنائية.

وعليه، فإن استمرار استهداف رجال الشرطة في قطاع غزة يعكس تحولًا في طبيعة الصراع من مواجهة مع البنية العسكرية فقط إلى مواجهة مع البنية المدنية المنظمة للمجتمع.

فالاحتلال لا يستهدف أفرادًا بقدر ما يستهدف وظيفة الأمن نفسها، ولا يسعى فقط إلى إيقاع خسائر بشرية، بل إلى إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على إدارة شؤونه، وإحداث فراغ أمني يسهل استثماره سياسيًا واستخباريًا وعسكريًا. ومن هنا، فإن هذه السياسة تمثل أحد أخطر أوجه الصراع في المرحلة الراهنة، لأنها تستهدف تماسك المجتمع واستقراره، بوصفهما أحد أهم عناصر الصمود الفلسطيني في مواجهة الحرب المستمرة.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0