لا يكاد يمر يوم في غزة دون أن ينفذ الاحتلال الإسرائيلي غارات تستهدف المدنيين أو أفراد الشرطة والأجهزة الأمنية المدنية، ليرتقي عشرات الشهداء والجرحى في ظل صمت دولي وإقليمي خانق. ولم تعد هذه الضربات مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل أصبحت جزءًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى استنزاف المجتمع الفلسطيني، وإنهاكه، وإشاعة الفوضى والفلتان، وضرب مقومات صموده.
ويبدو أن هناك توجهًا أمريكيًا بعدم السماح للاحتلال بشن حرب شاملة جديدة، فانتقل إلى استراتيجية الاستنزاف الطويل عبر الاغتيالات والقصف اليومي. والأخطر أن هذه السياسة تُمارس في ظل غياب أي إدانة حقيقية من الأطراف الراعية أو الوسطاء، ما يثير تساؤلات جدية حول حجم الغطاء السياسي الذي يحظى به الاحتلال، سواء من الولايات المتحدة أو من الجهات الدولية المعنية بمتابعة اتفاقات التهدئة.
لكن أخطر ما في هذه المرحلة هو التركيز على استهداف عناصر الشرطة الفلسطينية، وهم جهاز مدني يتولى حفظ الأمن والسلم الأهلي، وحماية المجتمع من الفوضى والجريمة. واستهدافهم ليس عملًا عسكريًا عابرًا، بل يندرج ضمن خطة تهدف إلى تفكيك المجتمع من الداخل.
فالاحتلال يسعى، أولًا، إلى نسف أي إتفاق أو تفاهمات قائمة وإفراغها من مضمونها، رغم التزام الجانب الفلسطيني بما يترتب عليها. كما يسعى إلى إحداث فراغ أمني يفتح المجال أمام العصابات وقطاع الطرق والمتعاونين معه لنشر الفوضى، وتقويض ثقة الناس بأي قدرة على حفظ الأمن والاستقرار.
ولا يقف الأمر عند ذلك، بل إن خلق حالة من الانهيار الأمني يمثل تمهيدًا لمشروع أكبر، وهو دفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية، فالمجتمع الذي يعيش بلا أمن ولا مؤسسات يصبح أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للانهيار تحت ضغط الحرب والمعاناة.
ومع ذلك، يخطئ الاحتلال في تقدير طبيعة المجتمع الفلسطيني. فقد أثبت الفلسطينيون، رغم كل المآسي، قدرتهم على التماسك، وإعادة ترميم مؤسساتهم، وإفشال محاولات فرض الفوضى. كما أن وعي المجتمع وجهود وزارة الداخلية والأجهزة المختصة لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، رغم الظروف الكارثية.
ويبقى الجانب الإنساني هو الأكثر إيلامًا. فالشهداء الذين يرتقون يوميًا من أفراد الشرطة ليسوا مجرد أرقام، بل هم آباء وأزواج وأبناء، لكل منهم أسرة تنتظر عودته، وحياة انقطعت بفعل آلة القتل. إن الاحتلال لا يقتل أفرادًا فحسب، بل يسعى إلى تعميق الجراح الاجتماعية، وإبقاء غزة مجتمعًا مثقلًا بالفقد والألم والاستنزاف.
إن استهداف الشرطة الفلسطينية جريمة مركبة، لأنها تستهدف الإنسان، والمؤسسة، والأمن المجتمعي في آن واحد. ومن هنا، فإن مسؤولية إدانة هذه الجرائم لا تقع على الفلسطينيين وحدهم، بل على كل من يؤمن بقيم العدالة والقانون وحق الشعوب في الحياة.
رحم الله شهداء الشرطة الفلسطينية، وشفى الجرحى، وحفظ غزة وأهلها، ونسأل الله أن يهيئ أسباب وقف هذا العدوان، وأن يكون هناك تحرك عربي وإسلامي ودولي جاد قبل فوات الأوان.



