خاص قدس الإخبارية: في الأغوار الفلسطينية، لا يُنظر إلى الأرض باعتبارها مساحة زراعية فحسب، بل كجزء أساسي من الاقتصاد المحلي ومصدر رزق مئات العائلات. لكن هذه المنطقة، التي تُعد سلة الغذاء الأهم في الضفة الغربية، تواجه اليوم تصاعدًا في مشاريع البنية التحتية العسكرية التي يصفها مزارعون ومسؤولون بأنها تعيد تشكيل الواقع الجغرافي وتفرض قيودًا متزايدة على الوصول إلى الأراضي ومصادر المياه. ويُحذر هؤلاء من أن مشروع الطريق العسكري المعروف باسم “الخيط الكرمزي” لا يقتصر على كونه بنية أمنية، بل يحمل تداعيات قد تمتد إلى عزل مساحات زراعية واسعة وتهديد قدرة السكان على الاستمرار في استثمار أراضيهم.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بدأت ملامح المشروع في نهاية عام 2025، عندما أصدر جيش الاحتلال تسعة أوامر عسكرية متتالية استهدفت أكثر من 1042 دونمًا من أراضي الأغوار الشمالية. ويقول مدير عام التوثيق والنشر في الهيئة، أمير داود، لـ "شبكة قدس" إن هذه الأوامر بدت في ظاهرها متفرقة، إلا أن تحليلها باستخدام أنظمة المعلومات الجغرافية كشف أنها تشكل مخططًا واحدًا لشق طريق عسكري بطول 22 كيلومترًا، يمتد من منطقة عين شبلي حتى سهل البقيعة شمال طوباس، ومحاطًا بجدران وخنادق.
ويضيف داود أن خطورة المشروع لا تكمن فقط في مساحة الأراضي التي شملتها أوامر وضع اليد، وإنما في ما سينتج عنه بعد اكتماله، إذ سيؤدي إلى عزل عشرات آلاف الدونمات الزراعية في السهول الشرقية للأغوار، ومنع المزارعين في طمون وطوباس من الوصول إليها، ما سينعكس مباشرة على القطاعين الزراعي والرعوي اللذين يشكلان مصدر الدخل الأساسي لمئات العائلات.
وعلى الأرض، بدأت آثار المشروع بالظهور مع استمرار أعمال التجريف، حيث طالت مئات الدونمات الزراعية وتسببت في تدمير خطوط المياه التي تغذي سهل البقيعة، ما أدى إلى تراجع القدرة على ري المحاصيل وتهديد البيوت البلاستيكية والأشجار المثمرة.
ويؤكد الناشط ضد الاستيطان فارس فقهاء لـ "شبكة قدس" أن ما يجري يتجاوز فكرة شق طريق، موضحًا أن التجريف المباشر طال ما بين 200 و300 دونم حتى الآن، إلا أن الأثر الأكبر يتمثل في عزل آلاف الدونمات الواقعة خلف الطريق ومنع أصحابها من الوصول إليها مستقبلًا. ويشير إلى أن المنطقة تضم استثمارات زراعية واسعة في محاصيل البطاطا والبصل والجزر والعنب والبلح، إضافة إلى محاصيل موجهة للتصدير، محذرًا من أن استمرار المشروع سيؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة تمتد إلى القطاع الزراعي الفلسطيني بشكل عام.
ويضيف فقهاء أن الأزمة تتفاقم مع استمرار تدهور الوضع المائي، نتيجة تدمير خطوط المياه وانخفاض منسوب عدد من الآبار، إلى جانب تهديد آبار فلسطينية أخرى بالردم بحجة عدم الترخيص، ما يضاعف من صعوبة استمرار الإنتاج الزراعي في المنطقة.
أما المزارع محمد بشارات، فيصف الوضع بأنه تحول إلى معاناة يومية، حيث بات الوصول إلى الأراضي مرهونًا بفتح الطرق أو إغلاقها. ويقول إن إغلاق الطرق الزراعية ومنع دخول الآليات، إضافة إلى أزمة المياه، أجبر عددًا من المزارعين على التوقف عن زراعة أجزاء من أراضيهم وإزالة بيوتهم البلاستيكية، بسبب ارتفاع الخسائر وعدم القدرة على الاستمرار.
ويشير بشارات لـ "شبكة قدس" إلى أنه تكبد خسائر كبيرة في محاصيل العنب والبيوت البلاستيكية، مؤكدًا أن كثيرًا من المزارعين باتوا يخسرون مواسمهم الزراعية بشكل متكرر، في ظل صعوبة الوصول إلى الأراضي وتزايد القيود الميدانية.
ويطالب بشارات بتوفير دعم عاجل للمزارعين يشمل جانبين: دعم معنوي يتمثل في التواجد الميداني ومساندة المزارعين وتعزيز صمودهم، ودعم مادي عبر إعادة تأهيل شبكات المياه وإصلاح الأراضي الزراعية المتضررة، بما يمكّنهم من استئناف العمل الزراعي والحفاظ على مصدر رزقهم الأساسي.
ويؤكد مختصون أن الأغوار الشمالية تمثل أحد أهم الأحواض الزراعية في الضفة الغربية، وأن أي تغييرات تطال الأرض أو المياه فيها تنعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي وحياة السكان.
ويعود مشروع “الخيط الكرمزي” ليضع الأغوار الشمالية مجددًا في قلب المواجهة على الأرض، في منطقة لطالما شكّلت هدفًا للمشاريع الإسرائيلية منذ عام 1967، بسبب موقعها الاستراتيجي ومواردها الزراعية والمائية. ومع تسارع أعمال التجريف وشق الطريق العسكري، يربط السكان بين هذه التطورات وبين القيود المتزايدة التي فُرضت خلال الأشهر الماضية، خاصة مع اندلاع الحرب على غزة، حيث ازدادت صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، وتوسعت البؤر الاستيطانية، وتضاعفت الإجراءات التي تحد من الحركة بين القرى والأراضي الزراعية. وبينما تتواصل أعمال شق “الخيط الكرمزي”، يخشى المزارعون أن يتحول إلى خط فاصل دائم يعمّق عزل الأراضي، ويضغط على مصادر المياه، ويهدد مستقبل الزراعة في واحدة من أهم مناطق الإنتاج الغذائي في الضفة الغربية.



