وصل خضوع السلطات اللبنانية للإدارة الأمريكية، إلى التوقيع على اتفاق سلم لدولة الاحتلال، الجنوب اللبناني، ومنحها صلاحيات البقاء واستباحة البلاد، في ذروة المسار الذي بدأ منذ نهاية الحرب الأولى، في 2024، حين قررت القوى الدولية والإقليمية تنصيب رئيس وحكومة مناسبين لتحقيق هدف محاصرة المقاومة وسحب سلاحها.
بدأت الحكومة اللبنانية، بقيادة نواف سلام، المنتخبة في فترة تزامنت مع انتخاب القائد السابق للجيش اللبناني، جوزيف عون، منذ الفترة الأولى لها، في إعلان نواياها حول سحب سلاح المقاومة، ومنع الصدام مع دولة الاحتلال، رغم أن الأخيرة لم تلتزم باتفاق التهدئة، وواصلت عدوانها على اللبنانيين، وقتلت خلال فترة 15 شهراً قبل تجدد انخراط حزب الله في الحرب، أكثر من 500 لبناني بينهم نسبة من الأطفال والنساء والمدنيين.
ودخلت الحكومة والرئاسة اللبنانية، في مسار تقديم التنازلات المتتالية لصالح دولة الاحتلال والإدارة الأمريكية، وكان القرار الأبرز الأول في هذا المسار هو إعلانها نيتها "سحب سلاح حزب الله"، رغم المخاطر الداخلية المترتبة على هذه الخطوة، وعدم انسحاب جيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية، واستمراره في العدوان.
وفي المقابل، لم تحصل الحكومة اللبنانية والرئاسة على أي منجز أو هدف، وبقيت الوعود الأمريكية والإسرائيلية في الهواء، وواصل قادة الاحتلال تأكيداتهم على أن جيش الاحتلال لن ينسحب من المناطق التي بقي يحتلها، في الجنوب، وأن المطلوب هو سحب سلاح المقاومة، ودخول لبنان في زمن الهيمنة الإسرائيلية.
وكان الأخطر في هذا المسار الذي تورطت فيه، الدولة اللبنانية، هو الزمن الذي جاء فيه، إذ أن دولة الاحتلال لا تخفي أطماعها في السيطرة على المنطقة، وضم أجزاء من لبنان وسوريا لها، وإقامة مستوطنات فيها، والعدوان الذي شنته على دول عربية وإسلامية، بينها إيران واليمن والعراق وقطر.
وتابعت تورطها في برنامج إملاءات الإدارة الأمريكية، الطامحة إلى تغيير المنطقة لصالح "إسرائيل"، بالدخول في مفاوضات مباشرة مع دولة الاحتلال، التي لم تطمح من المفاوضات سوى توقيع اتفاق ترتيبات أمنية يتيح لها استباحة لبنان وخاصة الجنوب، وسحب سلاح المقاومة، والتحكم في المنطقة.
واتخذت الحكومة اللبنانية خطوة خوض مفاوضات مباشرة، مع دولة الاحتلال، في الولايات المتحدة الأمريكية، رغم المجازر المتتالية التي كان جيش الاحتلال يرتكبها بحق اللبنانيين، وهو مؤشر على حجم التبعية التي تورطت فيها الدولة اللبنانية، في تنفيذ برنامج خارجي، لصالح الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال.
وكانت الفائدة الأكبر التي حققها نتنياهو وترامب، هي كتابة اتفاق، يعرقل مساعي إيران لربط الهدنة في جميع الساحات، وفرض انسحاب من لبنان على جيش الاحتلال، ضمن بنود الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الخطوة التي كانت تقلق "إسرائيل"، وترى فيها إعادة توحيد للساحات.
في المقابل تظهر المقاومة متمسكة بسلاحها، وخطاب رفض التطبيع مع دولة الاحتلال، وفي الوقت ذاته حذرة من التورط في حرب أهلية، ترى فيها خادمة للإدارة الأمريكية و"إسرائيل"، لتنفيذ مخططاتهما في إشغال المقاومة في صراعات داخلية.
لكن الذاكرة التاريخية اللبنانية تشير إلى تشابه في الأحداث، إذ وقع أمين الجميل الرئيس اللبناني السابق، وارث أخيه بشير الجميل، الذي قتل بعد تفجير مقر لحزب الكتائب، على خلفيه تورطه في العلاقات مع دولة الاحتلال، اتفاقاً شبيهاً يضمن لـ"إسرائيل" أمنها وحرية البقاء في الارض اللبنانية.
لكن الاتفاق لم يصمد بعد أن ثارت الحركة الوطنية اللبنانية وحركة أمل والشباب المحسوبين على حزب الله، في انتفاضة شباط/ فبراير 1948، وأسقطت الاتفاق بقوة السلاح والاحتجاج.
ورغم أن التاريخ قد لا تتشابه محطاته بحذافيرها، إلا أن الواقع الحالي في المنطقة، يشير إلى "سيولة عالية"، وعدم "يقين"، إذ أن الحروب العدوانية التي نفذتها دولة الاحتلال والإدارة الأمريكية، لم تحقق لها حتى الآن تحقيق مخططاتها، وصمدت إيران رغم شراسة الضربات، وما زالت المفاوضات والحراكات في المنطقة مفتوحة على الاحتمالات.
كما أن الواقع اللبناني شديد التعقيد وقابل للتغير، وقد تكون هذه الخطوة التي تورطت فيها الدولة اللبنانية، خضوعاً للإدارة الأمريكية، غير قابلة للحياة، في قابل الأيام، مع انفتاح الواقع على خيارات متعددة.



