رام الله - خاص قدس الإخبارية: لم تتوقف معاناة الأسرى المحررين عند لحظة الإفراج عنهم من سجون الاحتلال، إذ تواصل سلطات الاحتلال فرض سلسلة من القيود التي تلاحقهم في حياتهم اليومية، وفي مقدمتها الحرمان من السفر، وهي سياسة قديمة شهدت تصعيدًا غير مسبوق منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، لتطال حتى الحالات الإنسانية والعلاجية.
وتجسد قصة الأسير المحرر والصحفي سامي الساعي جانبًا من هذه المعاناة، بعدما توجه برفقة نجله إلى معبر الكرامة في طريقه إلى الأردن لإجراء فحوصات طبية، قبل أن تنتهي الرحلة بإبلاغه بقرار منعه من السفر دون إبداء أي أسباب.
وقال الساعي لـ"شبكة قدس" إن قرار السفر جاء بعد تدهور المؤشرات الصحية لنجله، الذي خضع عام 2022 لعملية زراعة كلية تبرع له بها والده، موضحًا أن "الفحوصات الأخيرة أظهرت مؤشرات أولية لاحتمال رفض الجسم للكلية المزروعة، الأمر الذي دفعنا للتوجه إلى المستشفى الذي أُجريت فيه العملية في العاصمة الأردنية عمّان للاطمئنان على وضعه الصحي".
وأضاف: "العلاج متوفر داخل فلسطين، ونجلي يتلقى أدويته بصورة منتظمة من وزارة الصحة، لذلك لم نتقدم بطلب تحويلة علاجية، لكننا أردنا الحصول على رأي الفريق الطبي الذي أشرف على عملية الزراعة والتأكد من استقرار حالته".
وأوضح الساعي أن قوات الاحتلال احتجزته على الجانب الإسرائيلي من المعبر لنحو ساعتين قبل إبلاغه بقرار منعه من السفر، مشيرًا إلى أن "إجراءات السفر قبل الحرب كانت تختلف عما يجري اليوم، إذ كنت أتعرض أحيانًا لتأخير أو إجراءات أمنية إضافية، لكن في النهاية كان يُسمح لي بالسفر".
وأكد الساعي أن سياسة المنع من السفر تصاعدت بشكل لافت بعد الحرب، قائلاً: "قبل الحرب كنت أستطيع السفر رغم الإجراءات الأمنية، أما اليوم فبات المنع هو القاعدة بالنسبة لكثير من الأسرى المحررين".
وعن تجربته الاعتقالية، أشار الساعي إلى أنه تعرض للاعتقال ثلاث مرات؛ الأولى عام 1997 لمدة أربعة أشهر، والثانية عام 2016 لمدة تسعة أشهر، فيما استمر اعتقاله الأخير، الذي بدأ عام 2024، لمدة 16 شهرًا.
وقال: "الاعتقال الأخير كان الأقسى، إذ تعرضت خلاله للتنكيل والاعتداء داخل السجون، شأن كثير من الأسرى منذ بدء الحرب".
من جانبها، أكدت الدائرة الإعلامية والتوثيق في نادي الأسير الفلسطيني أن حالة الساعي ليست استثنائية، بل تندرج في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف الأسرى المحررين.
وقالت الدائرة لـ"شبكة قدس" إن "مئات الأسرى المحررين حُرموا خلال الفترة الماضية من السفر، بمن فيهم أسرى كانوا بحاجة ماسة للعلاج أو لاستكمال إجراءات طبية خارج فلسطين".
وأضافت أن "سياسة المنع من السفر تصاعدت بصورة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب، وباتت تمثل أحد أبرز أدوات العقاب الجماعي التي يستخدمها الاحتلال بحق الأسرى المحررين وعائلاتهم".
وأوضحت أن الاحتلال يحول حق الفلسطينيين في حرية الحركة والتنقل إلى وسيلة للتنكيل المستمر، مؤكدة أن آثار هذه السياسة لا تقتصر على الأسرى المحررين فقط، بل تمتد إلى عائلاتهم أيضًا.
وأشارت الدائرة إلى أن "عائلات الأسرى المبعدين إلى مصر ما تزال محرومة من السفر ولقاء أبنائها، في إطار سياسة عقابية تستهدف الأسرى وعائلاتهم على حد سواء".
وأكدت أن عشرات الأسرى المحررين حُرموا من السفر لتلقي العلاج، فيما سمح لبعضهم بالمغادرة بعد وصول أوضاعهم الصحية إلى مراحل متقدمة وخطيرة.
وتبقى قضية سامي الساعي واحدة من عشرات القصص التي تعكس استمرار معاناة الأسرى المحررين بعد الإفراج عنهم، إذ لا تنتهي القيود بخروجهم من السجون، بل تمتد لتطال تفاصيل حياتهم اليومية وحقهم في الحركة والسفر، حتى عندما يتعلق الأمر بالعلاج أو بمتابعة الحالة الصحية لأفراد أسرهم.



