متابعة قدس الإخبارية: بينما يعيش قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والاقتصادية في تاريخه الحديث، تتصاعد شكاوى آلاف المواطنين من إجراءات مصرفية يقولون إنها ضاعفت معاناتهم، بعد قيام بنك فلسطين بإغلاق وتجميد أعداد كبيرة من الحسابات المصرفية دون توضيحات كافية.
وتحولت قضية إغلاق الحسابات خلال الأيام الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا تداولا بين سكان القطاع، في ظل اعتماد غالبية المواطنين على التطبيقات البنكية والتحويلات المالية لتأمين احتياجاتهم اليومية، بعدما دمرت الحرب أجزاء واسعة من البنية الاقتصادية والتجارية.
وبحسب معطيات متداولة بين مواطنين ومتابعين للشأن المصرفي في غزة، فإن عمليات إغلاق الحسابات لا تقتصر على حالات فردية، بل تتم ضمن موجات متتالية تشمل ما بين 500 إلى 800 حساب في كل مرة، وسط تقديرات تشير إلى إغلاق نحو 50 ألف حساب في بنك فلسطين وحده منذ اندلاع الحرب.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى أن بنك فلسطين يعد أكبر بنك محلي في القطاع، ويُقدَّر عدد حساباته الخاصة بسكان غزة بنحو 700 ألف حساب، ما يجعله المؤسسة المالية الأكثر تأثيرا على الحياة اليومية للسكان.
ويؤكد متضررون أن قرارات الإغلاق طالت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم تجار وأرامل وأسر شهداء وأيتام ومواطنون يعتمدون على حساباتهم المصرفية لتلقي الحوالات والمساعدات، دون تلقي إشعارات مسبقة أو تفسيرات واضحة للأسباب.
وتعكس شهادات المواطنين حجم الغضب المتصاعد من هذه الإجراءات. فأحد المتضررين كتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي أنه فوجئ بتجميد حسابه دون أي إشعار مسبق، مضيفا: "تواصلت مع البنك فقيل لي إن هناك تحفظا من الإدارة حتى إشعار آخر. سألت عن السبب فلم أحصل على أي إجابة. حياتنا كلها اليوم تعتمد على التطبيق البنكي، لا تستطيع أن تأكل أو تتنقل أو تنجز أمورك من دونه".
وفي شهادة أخرى، طالب مواطن بنك فلسطين وسلطة النقد الفلسطينية بإصدار توضيح رسمي بشأن أسباب إغلاق الحسابات، مؤكدا أن المواطنين يعيشون أصلا أزمات مصرفية متراكمة، تشمل أزمة السيولة والعملات المهترئة واختفاء العملات المعدنية، قبل أن تضاف إليها أزمة تجميد الحسابات.
أما مواطن ثالث فقال إنه توجه شخصيا إلى أحد فروع البنك في النصيرات للاحتجاج على تجميد حسابه، إلا أنه لم يحصل على إجابات واضحة، مضيفاً أن الموظفين ألقوا بالمسؤولية على جهات أخرى، بينما بقيت أمواله مجمدة وحياته اليومية معطلة بالكامل.
ولا تتوقف شكاوى المتضررين عند حدود إغلاق الحسابات فقط، بل تمتد إلى الحجز على الأموال ومنع أصحاب الحسابات من سحبها أو تحويلها أو التصرف بها. ويقول مواطنون إنهم وجدوا أنفسهم فجأة عاجزين عن الوصول إلى مدخراتهم أو الحوالات المالية التي يعتمدون عليها لتأمين الغذاء والعلاج والإيجارات، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من ظروف معيشية غير مسبوقة نتيجة الحرب.
ويؤكد متابعون أن هذه الإجراءات تأتي في ظل أزمة سيولة خانقة تعيشها غزة منذ شهور، حيث أصبحت الأرصدة البنكية بالنسبة لكثيرين مجرد أرقام على الشاشات يصعب تحويلها إلى أموال نقدية فعلية.
وتتزامن أزمة الحسابات المجمدة مع سلسلة انتقادات أوسع موجهة إلى بنك فلسطين خلال فترة الحرب، تتعلق بصعوبة فتح حسابات جديدة، والتعقيدات المفروضة على التحويلات البنكية، واستمرار أزمة السحب والإيداع النقدي، إضافة إلى شكاوى بشأن رفض بعض الوثائق التعريفية الصادرة لسكان القطاع.
ويرى منتقدون أن البنك، بوصفه أكبر مؤسسة مصرفية فلسطينية، كان مطالبا بتقديم حلول استثنائية تتناسب مع الظروف الإنسانية الكارثية التي يعيشها القطاع، بدلا من التوسع في إجراءات يعتبرها المواطنون أكثر تشددا وتعقيدا. ويشير هؤلاء إلى أن الحرب فرضت واقعا استثنائيا يستدعي سياسات مصرفية أكثر مرونة، خصوصا أن آلاف العائلات باتت تعتمد بصورة شبه كاملة على التحويلات المالية والمساعدات القادمة من الخارج.
وتعكس موجة الغضب المتصاعدة على مواقع التواصل الاجتماعي اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسة المصرفية الأكبر في فلسطين.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه الغزيون من المؤسسات الوطنية أن تخفف من آثار الحرب والحصار والانهيار الاقتصادي، يقول متضررون إنهم يواجهون اليوم معركة إضافية تتمثل في الوصول إلى أموالهم الخاصة.
ومع استمرار شكاوى المواطنين واتساع دائرة المتضررين، تتزايد المطالب الموجهة إلى بنك فلسطين وسلطة النقد الفلسطينية لإصدار توضيحات رسمية بشأن أسباب إغلاق الحسابات، والكشف عن المعايير المعتمدة في تلك الإجراءات، وضمان حقوق أصحاب الحسابات وتمكينهم من الوصول إلى أموالهم في ظل الظروف الإنسانية الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة.



