شبكة قدس الإخبارية

الحرب التي تهدد إسرائيل من الداخل: قراءة في وثيقة إسرائيلية تكشف حدود القوة العسكرية

GettyImages-2152622970-1729760479
رامي أبو زبيدة

 

تكشف الورقة البحثية التي نشرها العقيد احتياط الإسرائيلي غور ليش تحت عنوان "الراية السوداء التي ترفرف فوق الرايات الحمراء لرئيس الأركان"، عن حالة غير مسبوقة من القلق داخل دوائر التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية حيال مستقبل الحرب التي تخوضها دولة الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتكتسب هذه الورقة أهمية خاصة لأنها لا تصدر عن جهة معارضة للحرب أو عن أصوات هامشية داخل الكيان، بل عن ضابط شغل مناصب مركزية في التخطيط العسكري وصياغة مفاهيم الأمن القومي الإسرائيلي، ما يجعلها بمثابة وثيقة نقد ذاتي تعكس حجم الأزمة البنيوية التي تعيشها المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية.

ينطلق الكاتب الإسرائيلي من تصريح لافت لرئيس أركان جيش الاحتلال، قال فيه خلال اجتماع حكومي إن "قوات الاحتياط لن تصمد، وأنا أرفع عشرة أعلام حمراء". إلا أن ليش يعتبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه "الأعلام الحمراء" المرتبطة بنقص القوى البشرية، بل في وجود "راية سوداء" أكبر وأخطر ترفرف فوق المؤسسة العسكرية كلها، وهي استمرار إدارة الحرب من دون أهداف استراتيجية قابلة للتحقيق، ومن دون إطار زمني واضح، ومن دون تقدير حقيقي لكلفة الاستنزاف المتواصلة التي تتعرض لها الدولة والمجتمع والاقتصاد الإسرائيلي.

ويؤكد الباحث الإسرائيلي أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالنقص في الجنود أو الإرهاق الذي أصاب قوات الاحتياط، بل تعود أساساً إلى فقدان البوصلة الاستراتيجية. فبدلاً من سؤال: "ما الذي يمكن تحقيقه بالقدرات المتاحة؟"، أصبحت المؤسسة العسكرية – بحسب تعبيره – تطالب بالمزيد من الجنود والموارد لتغذية حرب لا تعرف متى تنتهي ولا كيف يمكن تحويل إنجازاتها التكتيكية إلى واقع سياسي أو أمني مستقر.

وفي واحدة من أكثر الفقرات دلالة، يعترف ليش بأن الكيان انتقل بعد عملية السابع من أكتوبر من "وهم الردع" إلى "وهم النصر المطلق". فصدمة الهجوم الفلسطيني الكبير دفعت القيادة الإسرائيلية إلى تبني أهداف فضفاضة وغير واقعية، مثل القضاء الكامل على الخصوم أو إزالة التهديدات نهائياً، وهي أهداف يرى الكاتب أنها غير قابلة للتحقق في البيئة الاستراتيجية الحالية، خصوصاً في ظل طبيعة الصراعات غير المتماثلة التي تخوضها إسرائيل ضد قوى المقاومة في فلسطين ولبنان.

ويستعرض المقال ما يسميه "أسطورة الزمن والموارد غير المحدودة"، حيث يشير إلى أن الحرب تُدار وكأن الكيان يتملك قدرة لا نهائية على تعبئة الجنود واستدعاء الاحتياط وتحمّل الخسائر الاقتصادية والاجتماعية. غير أن الواقع – وفق تقديره – مختلف تماماً، فالمجتمع الإسرائيلي بدأ يواجه ما يصفه بـ"النزيف متعدد المجالات"، والذي يشمل خسائر بشرية متراكمة، واستنزافاً متزايداً للقدرات العسكرية، وتعطيلاً للنشاط الاقتصادي، وتراجعاً في قدرة مناطق واسعة، خاصة في الشمال، على العودة إلى الحياة الطبيعية.

في تقديري كمتابع للشأن العسكري تكشف هذه الاعترافات عن إدراك متزايد داخل مراكز التفكير الإسرائيلية بأن استراتيجية الاستنزاف التي فرضتها جبهات المقاومة المختلفة لم تعد مجرد عبء أمني مؤقت، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تمس أسس المشروع الإسرائيلي نفسه. فالكاتب يقر صراحة بأن "جيش الشعب" الذي قامت عليه العقيدة العسكرية الإسرائيلية أصبح يواجه معضلة حقيقية؛ إذ إن جنود الاحتياط هم أنفسهم أصحاب الأعمال والموظفون والطلاب والآباء الذين يقوم عليهم الاقتصاد الإسرائيلي. وبالتالي فإن استمرار الحرب المفتوحة يعني استنزاف القاعدة الاجتماعية والاقتصادية التي يعتمد عليها الجيش في تجديد قوته.

ويتوقف ليش مطولاً عند التحولات التاريخية في مفهوم الأمن الإسرائيلي. فبينما كانت العقيدة الأمنية التقليدية التي صاغها دافيد بن غوريون تقوم على خوض حروب قصيرة وسريعة لتقليل الأعباء على الاقتصاد والمجتمع، يرى أن إسرائيل اليوم تتجه نحو نموذج معاكس تماماً يقوم على حروب طويلة الأمد تستهلك الموارد البشرية والمالية بصورة مستمرة. ويعتبر أن هذا التحول يشكل خطراً وجودياً على الدولة أكثر مما يشكله أعداؤها الخارجيون.

وفي ما يتعلق بالجبهة اللبنانية، يقدم الباحث نموذجاً عملياً لفشل التفكير الإسرائيلي الحالي. فهو ينتقد بشدة الدعوات الرامية إلى إنشاء "حزام أمني" جديد داخل جنوب لبنان أو السعي إلى تفكيك حزب الله بالكامل، معتبراً أن هذه الأهداف تعيد إنتاج الأخطاء التي ارتكبها الكيان خلال احتلالها السابق للجنوب اللبناني. ويؤكد أن السيطرة على أراضٍ لبنانية واسعة ستتطلب قوات ضخمة لسنوات طويلة، وستؤدي إلى مزيد من الاستنزاف البشري والاقتصادي والسياسي من دون أن توفر حلاً حقيقياً للتهديدات الصاروخية أو العملياتية.

وفي اقتباس يعكس حجم المراجعة الجارية داخل بعض الدوائر الإسرائيلية، يقر الكاتب بأن "الوجود العسكري الدائم داخل الأراضي اللبنانية قد يحول الجيش إلى أداة تكرّس المشكلة بدلاً من حلها". ومن هنا يدعو إلى الاكتفاء بما يسميه "شريطاً دفاعياً" محدوداً يعتمد على العوائق الهندسية والتكنولوجيا والمراقبة النارية من داخل الأراضي المحتلة، بدلاً من إعادة الانخراط في احتلال طويل الأمد.

وتبرز أهمية هذه الورقة في أنها لا تناقش تفاصيل تكتيكية أو عملياتية فحسب، بل تطرح سؤالاً وجودياً حول مستقبل القدرة الإسرائيلية على مواصلة الحروب الممتدة. فالكاتب يخلص إلى أن الخطر الأكبر لا يتمثل في قوة الخصوم، بل في عجز الكيان عن إدارة الصراع ضمن حدود مواردها وإمكاناتها الحقيقية. وهو يحذر بوضوح من أن الاستمرار في نهج "الحرب بلا نهاية" قد يؤدي إلى إنهاك الدولة من الداخل، وإلى تقويض عناصر القوة التي قامت عليها منذ تأسيسها.

وفي النهاية، يقدم هذا التقدير الإسرائيلي شهادة نادرة من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على حجم المأزق الاستراتيجي الذي وصلت إليه دولة الاحتلال بعد سنوات من الحروب المتواصلة. وبين سطور المقال يظهر اعتراف واضح بأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنتاج واقع سياسي مستقر أو تحقيق ما يسمى "النصر المطلق". كما يكشف أن معادلة الاستنزاف التي فرضتها قوى المقاومة بدأت تدفع عدداً متزايداً من الخبراء الإسرائيليين إلى التساؤل عن جدوى استمرار الحروب المفتوحة، وعن الثمن الذي سيدفعه المجتمع الإسرائيلي إذا بقي أسيراً لمنطق القوة العسكرية وحدها. وهو ما يجعل هذه الورقة واحدة من أهم الوثائق الإسرائيلية التي تعكس التحول المتزايد من خطاب الثقة والانتصار إلى خطاب القلق والتخوف من المستقبل.

المصدر: دراسة "الراية السوداء التي ترفرف فوق الرايات الحمراء لرئيس الأركان"، مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية، 3 حزيران/يونيو 2026، للباحث والعقيد احتياط الإسرائيلي غور ليش.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0