لا يمر الخامس عشر من مايو/أيار على الفلسطيني كذكرى عابرة في رزنامة الزمن، بل يبرز كوجعٍ حيٍّ نلمسه بأيدينا المرهقة اليوم في خيام النزوح. بالنسبة لي، لم تعد النكبة مجرد أرقامٍ في كُتب التاريخ، بل هي الصوت ذاته الذي سمعتُه وأنا أغادر منزلي؛ هي ذاتها الهجرة القسرية التي قطعت أوصال عائلتي كما قطعت من قبل أوصال مجتمعٍ كامل عام 1948.
إن ما نعيشه اليوم في غزة ليس إلا الفصل الأحدث من ذات المسلسل الدموي الذي بدأ حين أعلن المستعمر الصهيوني قيام دولته على أنقاض مدننا وقرانا. حينها، وفي ظل تفوقٍ عسكري جليّ وهزيمةٍ مريرة للجيوش العربية، سُلب منا ما يقرب من 80% من أرض فلسطين، وتحول أجدادنا من أصحاب كرامة وبناة حضارة إلى لاجئين مشتتين.
واليوم عندما نشاهد جميعاً تكرار ذات المشاهد عبر شاشات البث المباشر وبتبجحٍ سافر عبر استخدام كافة أدوات الإبادة الجماعية؛ ندرك أنّ تسمية ما جرى بالنكبة كانت تخفيفاً من وطأة الحقيقة؛ فما حدث -وما يحدث لنا الآن في قطاع غزة- هو تطهيرٌ عرقيٌّ ممنهج، يسعى لاقتلاع الجذور ونسف الذاكرة، ليبني فوقها كذبة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
ففي عامنا الأول من حرب الإبادة الراهنة، ارتدت ذكرى هذا اليوم ثوباً أكثر قتامة. شهد هذا اليوم نزوحاً ملحمياً من رفح نحو مواصي خانيونس، في مشهدٍ أعاد صياغة الهجرة القسرية بأبشع صورها، كنا من ضمن قوافل النازحين الذين طووا الأرض هرباً من نيران المحتل -الذي وجهنا سابقاً للنزوح نحو المدينة الآمنة: رفح!
نزحنا جميعاً من رفح نازحين ومواطنين -مليون ونصف فلسطيني- تحت النار والبارود، ولم تكن التهديدات والاعتراضات الغربية على اجتياح رفح سوى ضجيج إعلامي واهٍ، لم تمنع آلة القتل من تحويل المدينة إلى كثبان من الرمال الصفراء؛ فلقد تعمد الاحتلال نسف تاريخ وحضارة المدينة، وسرق حتى الركام، ليترك انطباعاً زائفاً بأنّ الأرض كانت خالية.
أما في عامنا الثاني لحرب الإبادة، فقد تجلت ذكرى الخامس عشر من مايو في أقسى تجلياتها الإنسانية. كان النزوح من شمال غزة هذه المرة بلا إنذار مسبق، حيث انهمر الموت من السماء ليلاً، ليجعل من الصمت رعباً لا يُطاق. ومع شقشقة الصبح، بدأت رحلة الفرار من الجحيم.
في تلك اللحظات الرهيبة، انقسمت عائلتي إلى مجموعات تسابق الموت نحو المستشفى الإندونيسي. نجا الكثيرون، لكنّ أختي نهى كانت على موعد مع صاروخ غادر اختطف حياتها في لمح البصر.
في هذا الحدث الجلل لا تكمن مأساتنا في رحيل نهى فقط، بل في العجز؛ حيث بقيت نهى ممدة على الأرض، وحيدة تحت القذائف، بعد أن عجزت سيارات الإسعاف والصليب الأحمر عن الوصول إليها.
والذي يزيد القهر قهرًا أنّ تلك المنطقة لا يزال جنود الاحتلال يسيطرون عليها، ولذلك لم ترجع عائلتي -حتى اليوم- ليتحسسوا بقعة الأرض التي استشهدت عليها نهى، ويبحثوا عن أثرها.
وبهذا لم تعد نهى اليوم مجرد غصةٍ في حلق عائلتنا، بل تحولت إلى الجسد الشاهد الذي يختصر حكاية شعبٍ كامل منذ عام ١٩٤٨ وحتى هذه اللحظة. إنها تمثل الفجوة العميقة بين توحش الآلة وبين قدسية الروح؛ فالمحتل الذي يمنعنا من الوصول إليها، لا يحارب جسداً غادره النبض، بل يحارب الذاكرة التي ترفض النسيان، ويحاول يائساً كسر الرابطة الوجودية بين الفلسطيني وترابه.
لكن الحقيقة التي يجهلها القاتل هي أن نهى، الممدة فوق ثرى الشمال بلا كفن، قد توحدت مع الجغرافيا لتصبح هي الأرض وهي التاريخ. إن بقاءها هناك، وحيدةً تحت عين السماء، يحولها من ضحيةٍ عابرة إلى مرساةٍ تثبتنا في هذه البلاد؛ فالفلسطيني الذي لم يغادر أحباءه وهم أحياء، لن يغادر أرضاً احتضنت أجسادهم بلا وداع.
إن مأساة نهى هي مأساة الكرامة الإنسانية التي خذلها العالم، لكنها في الوعي الفلسطيني هي وقودُ حق العودة الذي لا يصدأ. فكل سؤالٍ يطاردنا عن وحدتها في العراء، هو في جوهره مسمارٌ جديد يدق في نعش الرواية الصهيونية الزائفة. نحن لا ننتظر العودة لنتحسس الركام فحسب، بل لنعيد لملمة شتات أرواحنا التي بقيت هناك مع نهى ومثيلاتها.
وستبقى ذكراهم هي البوصلة التي تشير دائماً نحو الفجر الذي لا بد أنْ يبزغ من بين ثنايا هذا الوجع؛ لنعلن للعالم أجمع أنّ الأرض التي ارتوت بدمٍ لم يوارَه الثرى، هي أرضٌ لا تقبلُ القسمة إلا على أصحابها.



