فلسطين المحتلة - متابعة قدس الإخبارية: لم تكن نكبة عام 1948 مجرد حدث تاريخي عابر، بل كانت البداية لسلسلة ممتدة من محاولات اقتلاع الشعب الفلسطيني وتدمير حواضره التاريخية، وهي السلسلة التي تجد ذروتها اليوم في "حرب الإبادة" الشاملة التي يتعرض لها قطاع غزة والضفة الغربية. ورغم مرور 78 عاماً على التهجير الأول، يبرهن الفلسطينيون أن "الراية لم تسقط"، وأن قرار العودة الذي اتخذه اللاجئون الأوائل تحت وطأة المجازر، لا يزال هو المحرك الفعلي للمقاومة في ذكراها الحالية.
مسيرة الفدائي: من التسلل الأول إلى مفاجآت الاستراتيجية
سجل التاريخ الفلسطيني أن هزيمة عام 1948 لم تمنع اللاجئين من محاولة العودة فوراً إلى قراهم في الشمال والجنوب، لتبدأ معها ظاهرة "الفدائيين الأوائل" في الخمسينيات، والذين كان من أبرزهم مصطفى الصمويلي، الذي شكل هاجساً للاحتلال بعملياته في قرى القدس. هذا السعي الدؤوب تطور من حركات قومية ويسارية إلى ثورة مسلحة اشتد عودها بعد نكسة 1967، لتنتقل المقاومة من معركة "الكرامة" في الأردن إلى ساحات لبنان، وصولاً إلى انتفاضتي الحجارة والأقصى اللتين أعادتا رسم موازين القوى وهزتا عقيدة الاستيطان في الضفة وغزة.
غزة والضفة: تراكم القوة في مواجهة الحصار
في قطاع غزة، استطاعت المقاومة تحويل سنوات الحصار الخانق إلى مرحلة للنضج العسكري والإداري، محققة إنجازات تكتيكية واستراتيجية عبر حروب متلاحقة، سعت من خلالها إلى الربط بين مختلف القضايا الوطنية ومنع الاستفراد بالقدس أو الأسرى. وفي الضفة المحتلة، ورغم التضييقات الأمنية الشرسة، استمر الفلسطيني في ابتكار أشكال جديدة للمواجهة، تجلت في مجموعات المقاومة الصاعدة في الشمال والانتفاضات المتلاحقة التي أثبتت فشل محاولات "كي الوعي" أو تدجين الهوية الوطنية.
حرب الإبادة.. "نكبة متجددة" وفشل المحو
تأتي ذكرى النكبة هذا العام والاحتلال يمارس أبشع صور الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، في محاولة صريحة لاستكمال ما بدأته العصابات الصهيونية عام 1948. غير أن هذا العدوان، الذي يتجاوز في وحشيته المجازر الأولى، يصطدم بجيل فلسطيني يرفض الانكسار ويتمسك بأرضه رغم التدمير الممنهج لكل مقومات الحياة.
وفي القدس والداخل المحتل عام 1948، يواصل الفلسطينيون التصدي لسياسات التهويد وفصل الهوية، حيث شكلت "هبات الأقصى" ومعركة "سيف القدس" صدمة استراتيجية للاحتلال، الذي اعتقد واهماً أن عقود الأسر والتهجير قد نجحت في إخراج فلسطينيي الداخل من معادلة الصراع.
اليوم، وبعد 78 عاماً، يتأكد للعالم أن القضية الفلسطينية لم تكن يوماً مجرد قضية لاجئين يبحثون عن مساعدات إنسانية، بل هي معركة وجودية يخوضها شعب يرفض التنازل عن حقه التاريخي. إن "حرب الإبادة" الراهنة، رغم قسوتها وتضحياتها الجسام، تبرهن أن جمرة المقاومة التي اشتعلت في أزقة القرى المهجرة عام 1948 لا تزال متقدة، وأن الشعب الذي صنع من ركام النكبة ثورة، يصنع اليوم من وسط الركام والدمار فجر عودته وحريته.



