خاص - شبكة قُدس: تتزامن ذكرى "يوم الأرض" الفلسطيني هذا العام مع أشرس حملة صهيونية لمصادرة الجغرافيا وتفتيت الديموغرافيا؛ فبينما تلتهم غول الاستيطان ما تبقى من تلال الضفة الغربية، تُسحق غزة تحت وطأة عدوانٍ يسعى لفرض "مناطق عازلة" على حساب أشلاء أهلها، في وقتٍ يواجه فيه الفلسطينيون بالداخل المحتل سياسات "أسرلة" ممنهجة واقتلاعًا لا يتوقف، يتركز أنيابه في النقب عبر قضم الأراضي وتجريف القرى.
شهد العامان الماضيان قفزة غير مسبوقة في وتيرة السياسات الإحلالية الإسرائيلية، حيث تحولت الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة بفعل الحواجز والمصادرات، وتحولت غزة إلى ساحة إبادة وتهجير وتغيير لمعالم الأرض، مما أدى إلى تقويض أي أفق واقعي للتواصل الجغرافي الفلسطيني. هذا الانسداد الميداني بات اليوم مرتبطًا عضويًا بساحات "الحرب الإقليمية" المفتوحة بين دول محور المقاومة الذي تقوده إيران، وبين الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه الغربيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
وفي حال وضعت هذه المواجهة الكبرى أوزارها بـ "انكسار" دولة الاحتلال وتراجع نفوذها العسكري والجيوسياسي، فإن الانعكاس المباشر على الأرض الفلسطينية سيكون بمثابة نقطة تحول تاريخية؛ بحسب مراقبين خلال حديث مع "شبكة قدس"، إذ سيتداعى جدار الهيمنة الذي يحمي المشروع الاستيطاني، وتراجع قدرة الاحتلال على فرض الوقائع بذات الطريقة الجارية.
الضفة: قبّعة الاستيطان
وتعيش الضفة الغربية مرحلة غير مسبوقة من ضياع الأرض بفعل التوسع الاستيطاني المتسارع، وفق ما يؤكد الباحث في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، عماد أبو هواش، الذي يرى في حديث مع "شبكة قدس" أن "المناطق المصنّفة ج البالغة مساحتها أكثر من 3500 دونم من أصل الضفة التي تبلغ مساحتها أكثر من 5800 دونم، باتت عمليًا تحت سيطرة كاملة للاحتلال، فيما تُستخدم الأوامر العسكرية كأداة لتكريس هذا الواقع".
وفي ذكرى يوم الأرض، تتجلى هذه السيطرة بشكل أوضح في إحكام القبضة على مجمل المناطق المصنّفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو، والتي تمثّل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، وكانت تُعدّ المتنفّس الأخير للفلسطينيين على مدار العقود الثلاثة الماضية، قبل أن تتحول إلى مجال مفتوح لتوسّع استيطاني منظّم.
وفي هذا الإطار، فرضت "إسرائيل"، كما يوضح أبو هواش، منظومة واسعة من الأوامر العسكرية التي توفّر الحماية للمستوطنين وتُسهّل انتشار البؤر الاستيطانية، التي ارتفع عددها منذ عام 2020 إلى أكثر من 300 بؤرة، أُقيم معظمها على أراضٍ فلسطينية صُنّفت "أراضي دولة" منذ ثمانينيات القرن الماضي، استنادًا إلى ذرائع قانونية تتعلق بغياب إثباتات الملكية.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد التهديدات بهدم المنازل الفلسطينية، حيث تشير معطيات الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال إلى أن أكثر من 10 آلاف منزل في المناطق المصنّفة "ج" مهددة بالهدم، في ظلّ اجتماعات دورية تُعقد لبحث خطط توسيع المستوطنات وإقرار مشاريع بناء جديدة، وفق أبو هواش.
كما تكشف هذه المرحلة في هذه الذكرى، عن خسارة الفلسطينيين مساحات واسعة من الأراضي، تُقدّر بنحو 167 ألف دونم ضمن ما عُرف بالمحمية التعاقدية في اتفاق واي ريفر عام 1998، في سياق إجراءات متواصلة لتجريدهم من ملكياتهم، بالتوازي مع فرض قيود إضافية على أراضي محافظة الخليل، خصوصًا في محيط الحرم الإبراهيمي.
وعلى صعيد الحركة والتنقّل، يقول أبو هواش إن الضفة الغربية انتشارًا كثيفًا للحواجز والبوابات العسكرية، التي تجاوز عددها ألف عائق، ما يؤدي إلى تقطيع أوصال المدن والقرى، وفرض واقع من العزل الجغرافي والتقييد اليومي لحياة الفلسطينيين.
وفي تطوّر خطير مرّ على هذه الذكرى، يشير أبو هواش إلى أن سلطات الاحتلال أعلنت سابقًا نيتها الكشف عن أسماء مالكي الأراضي في الضفة الغربية، في خطوة يُخشى أن تُستخدم لتسهيل التلاعب في سجلات الملكية وتزويرها، خاصة في ظلّ بيئة قانونية معقّدة داخل المحاكم الإسرائيلية، التي تتداخل فيها أدوار المستوطنين في مختلف مستويات التقاضي والتنفيذ.
وفي هذا السياق، يبيّن أبو هواش أنه خلال العامين الماضيين جرى تسريع تنفيذ مخططات استيطانية واسعة رغم أنها كانت مقرّرة لسنوات طويلة قادمة، وذلك بدعم مباشر من الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، وبمشاركة فاعلة من جمعية "ريغافيم" الاستيطانية، التي تعزّز حضورها كشريك في رسم السياسات المتعلقة بالأراضي الفلسطينية.
ولا يقتصر هذا التمدّد على المناطق المصنّفة "ج"، بل يمتد تدريجيًا إلى مناطق "أ" و"ب"، من خلال فرض تدخلات الإدارة المدنية، كما حدث في مناطق طبيعية "المحمية" في بيت لحم، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين على الأراضي والمنشآت في مناطق "ب" دون قيود تُذكر خاصة في رام الله وبيت لحم والخليل.
وتشير معطيات حقوقية سجّلها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى تسجيل سبع بؤر استيطانية جديدة في مناطق "ب" خلال العامين الماضيين، بعضها أقيم في مناطق متاخمة لتصنيف "أ"، ما يعكس تحولًا ميدانيًا خطيرًا قد يؤدي إلى تآكل ما تبقّى من هذه المناطق خلال السنوات المقبلة.
كما أصدرت سلطات الاحتلال سلسلة من الأوامر العسكرية في شمال وجنوب وغرب الضفة الغربية، تتيح تجريف الأراضي واقتلاع مئات آلاف الأشجار في مناطق "ج" و"ب" بذريعة الاعتبارات الأمنية، بالتوازي مع إصدار قرارات هدم طالت أيضًا مناطق "ب" تحت المبررات ذاتها.
وفي موازاة ذلك، تمرّ ذكرى يوم الأرض في ظلّ واقع ميداني قاسٍ تعيشه المخيمات الفلسطينية، خصوصًا في شمال الضفة الغربية، حيث تتعرض مخيمات جنين وطولكرم منذ أكثر من عام لعمليات عسكرية متواصلة، أسفرت عن تهجير السكان قسرًا وتدمير واسع للمنازل والبنية التحتية، بحسب أبو هواش.
الداخل المحتل: مخططات أسرلة ومحاولات نهوض
ولا يختلف حال الأرض سوءًا في الداخل المحتلّ عن الضفة، كما يقول عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد لؤي الخطيب في حديث مع "شبكة قدس". ويشير إلى أن أراضي القرى والبلدات الفلسطينية في الداخل تفتقر إلى مقومات التطور المستقبلي، نتيجة حرمانها من الأراضي الزراعية والصناعية، ما جعل الفلسطينيين فيها أسرى لسياسات الاحتلال، في وقت تتصاعد فيه مخططات الاستيلاء على مساحات واسعة، لا سيما في منطقة النقب.
وفي السياق ذاته، يلفت إلى أن الحركة الوطنية في الداخل تعرّضت خلال العامين الماضيين لعملية ردع ممنهجة، حدّت من قدرتها على الفعل والتأثير، حتى باتت حرية التعبير نفسها مقيّدة، في ظلّ حملات قمع واعتقالات طاولت نشطاء فلسطينيين بذريعة أسباب واهية، الأمر الذي انعكس على تراجع دور هذه الحركة في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
ويؤكد أن الأرض في الداخل الفلسطيني أصبحت اليوم بأمسّ الحاجة إلى استعادة زخم العمل الوطني، غير أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، في ظلّ ما يصفه بدعم حكومي لتنامي الجريمة داخل المجتمع العربي، بما يساهم في إضعاف بنيته الداخلية.
ويبيّن الخطيب أن الفلسطينيين في الداخل، رغم أنهم يشكّلون نحو 22% من السكان، لا يملكون سوى ما يقارب 2% من الأراضي، نتيجة سياسات اقتصادية وقانونية انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ما يعكس حجم الفجوة البنيوية في توزيع الموارد والسيطرة على الأرض.
كما يشير إلى أن يوم الأرض لم يعد المناسبة الوطنية الوحيدة التي تراجعت فعالياتها، إذ باتت الأنشطة الوطنية عمومًا خاضعة لقيود مشددة من قبل شرطة الاحتلال الإسرائيلية، وصلت إلى حدّ فرض شروط على تنظيم الفعاليات ومنع رفع العلم الفلسطيني، رغم الرمزية الخاصة التي يحملها هذا اليوم في الوعي الوطني.
وفي ظلّ هذا الواقع، يبرز، بحسب الخطيب، ضرورة إعادة ترتيب صفوف الحركة الوطنية في الداخل، وتفعيل الحاضنة الشعبية لإحياء يوم الأرض ضمن فعل وطني حقيقي، يعيد الاعتبار لهذه المناسبة ودلالاتها، خصوصًا في ظلّ ما وصفه بحالة القمع غير المسبوقة منذ اندلاع الحرب على غزة.
ويضيف أن حجم الملاحقة والتضييق الراهن يطرح تساؤلات حول مآلات الحالة الوطنية، مشيرًا إلى أن ما جرى في غزة لم يحرّك المجتمع الدولي ولا حتى العالم العربي بالشكل المطلوب، وهو ما ينعكس، برأيه، على ضعف التفاعل مع ما يجري في الداخل الفلسطيني.
ورغم ذلك، يلفت الخطيب إلى مؤشرات على عودة تدريجية لبعض أشكال الحراك، من خلال إحياء فعاليات وتجمعات في الآونة الأخيرة، معتبرًا أن هذه التحركات، في ظلّ تداعيات الحرب، تعكس إدراكًا متناميًا بأن موازين القوة ليست ثابتة، وأن الواقع قابل للتغيير.
ويرى أن "إسرائيل" سعت إلى ترسيخ صورة الدولة التي لا تُقهر، غير أن التطورات الإقليمية، بما فيها المواجهات العسكرية الجارية مع إيران، قد تفتح الباب أمام تحولات في موازين القوى، تنعكس بدورها على الحالة الفلسطينية في الداخل وفي سائر الأراضي المحتلة.
ويشير إلى أن هذه التحولات قد تسهم في إعادة بثّ الأمل لدى الفلسطينيين، وتمنح القوى الوطنية فرصة لإعادة تنظيم صفوفها واستعادة دورها، في وقت يشعر فيه الفلسطيني في الداخل وكأنه يعيش تحت منظومة أقرب إلى الحكم العسكري المباشر.
ويخلص الخطيب إلى أن أي تراجع في قدرة "إسرائيل" على فرض شروطها في الإقليم، من شأنه أن ينعكس إيجابًا على الحالة الفلسطينية، ويعزّز من فرص استعادة زمام المبادرة، في ظلّ تنامي روح المواجهة بعد سنوات من تفوّق الاحتلال وفرضه وقائع جديدة على الأرض.
غزّة: نافذة الصراع على الأرض
أما في قطاع غزّة، فقد شكّلت الأرض منذ بدء معركة طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023) التي طال صداها وأثرها المنطقة بأكملها، محور الاستراتيجية وجوهر المواجهة مع الاحتلال، إذ ظلّ الصراع عليها العنوان الرئيس الذي حكم مختلف أشكال التحرّك الفلسطيني، سواء المنظّم أو الشعبي، على امتداد التاريخ. وفي هذا الإطار، يؤكد مدير مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي في غزة، أحمد طناني في حديث مع "شبكة قدس" أنّ التجربة التاريخية تُظهر بوضوح أنّ رفع كلفة الوجود الإسرائيلي على الأرض يُفضي في كثير من الأحيان إلى تراجع الاحتلال عنها، مستشهدًا بما جرى في قطاع غزة عام 2005، حين أُجبر الاحتلال على الانسحاب منه.
وفي قراءة للواقع الراهن، يوضح طناني أنّ الحكومة اليمينية الإسرائيلية المتطرفة جاءت وهي تحمل ما يسميه "خطوط الحسم"، تحت عناوين التطهير العرقي، وطرد الشعب الفلسطيني، وإعادة احتلال الأرض، مشيرًا إلى أنّ هذه الرؤية تتقاطع مع تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يتحدّث عن "تصحيح الخطأ التاريخي إبّان النكبة، بعد ترك جزء من الفلسطينيين على الأرض وتمكينهم من السيطرة على بعض المناطق". ويضيف أنّ هذه المقاربة تضع ضمن أولوياتها طرد الفلسطينيين من أرضهم وتفكيك كينونتهم السياسية، وهو ما يفسّر الاندفاع نحو حرب الإبادة على غزة، التي حملت ضمن أهدافها إعادة السيطرة على أرض القطاع.
ويتابع طناني أنّ هذه الحرب لم تكن معزولة، بل ترافقت مع اندفاعة استيطانية واسعة في الضفة الغربية، عبر ضمّ أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، حتى دون إعلان سياسي رسمي، موضحًا أنّ ذلك جرى تحت غطاء سياسي وتشريعات صادرة عن الكنيست. ويشير إلى أنّ ما يجري في غزة يتعدّى العمليات العسكرية، ليشمل تطهيرًا للأرض والبشر، ونسفًا للبنية التحتية، ومحاولات لمأسسة الوجود الإسرائيلي على مساحات واسعة من القطاع، بما يرقى إلى عملية احتلال فعلي تقودها حكومة الحسم الإسرائيلية.
وفي ما يتعلّق بسبل المواجهة، يرى طناني أنّ خطط الاحتلال تتطلّب بلورة سياسة فلسطينية شاملة، تقوم على اعتماد أشكال المقاومة المختلفة، وفي مقدّمتها المقاومة الشعبية، إلى جانب رفع كلفة الاحتلال على الأرض. ويؤكد في الوقت ذاته أهمية دعم صمود الفلسطينيين، في ظلّ مساعٍ إسرائيلية حثيثة لتحويل الأراضي الفلسطينية إلى بيئة غير قابلة للحياة، سواء عبر التضييقات المفروضة في الضفة الغربية، والتي باتت تمسّ تفاصيل الحياة اليومية للسكان، أو من خلال تقليص الفضاء العام، وتكثيف الحواجز، وتحويل الضفة إلى "كنتونات" معزولة.
ويضيف أنّ ما يجري في قطاع غزة يمثّل نموذجًا أكثر حدّة، حيث تتجسّد سياسات الاحتلال في إدامة واقع الإبادة، عبر تكريس التجويع وتعطيل أعمال الإغاثة، بما يجعل الحياة غير محتملة، ويدفع الفلسطينيين نحو خيارات قسرية تخدم تهجيرهم من أرضهم. ويشدّد طناني على أنّ مواجهة هذه السياسات ينبغي أن تتم ضمن إطار وطني فلسطيني جامع.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يدعو طناني إلى تفعيل المسارات المختلفة، الشعبية والرسمية، لملاحقة الاحتلال في المحافل القضائية الدولية، وممارسة الضغط على الحكومات الغربية التي اتجهت نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، من أجل إلزام الاحتلال بالانسحاب من الأراضي التي يتوسّع فيها. كما يشدّد على ضرورة تحويل المواقف الدولية "الخجولة" إلى أدوات ضغط حقيقية على حكومة الاحتلال الإسرائيلية.
وفي سياق إحياء ذكرى يوم الأرض، يربط طناني هذه المناسبة بالتوسع الإسرائيلي في المنطقة، معتبرًا أنّ السياسات الحالية تعكس طموحات تتجاوز فلسطين نحو تنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى"، في ظلّ احتلال أراضٍ في دول عربية، من بينها لبنان وسوريا، بما يدلّ على نزعة توسعية أوسع تطال المحيط العربي. ويرى أنّ كسر هذه الاندفاعة الإسرائيلية، المتزامنة مع التوترات الإقليمية، من شأنه أن يسجّل فشلًا لمشروع حكومة الحسم، ويفتح نقاشًا داخليًا في "إسرائيل" حول جدوى هذه السياسات.
ويختتم طناني بالتأكيد على أنّ صمود الفلسطينيين يبقى العامل الحاسم في هذه المرحلة، بوصفه الضامن للحفاظ على الوجود الفلسطيني على الأرض، التي تمثّل "الأصل" الذي تنطلق منه أدوات المواجهة. ويشير إلى أنّ البقاء على الأرض، وتعزيز الصمود، ورفع كلفة الاحتلال، تشكّل مجتمعةً الاستراتيجية التي ينبغي التمسّك بها في هذه الذكرى التاريخية.



