خاص - شبكة قُدس: شكل يوم الأرض منعطفاً تاريخياً في علاقة الفلسطينيين، الذين بقوا في الأراضي المحتلة عام 1948، مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي انشغلت طوال السنوات ما بعد النكبة، على تدمير أي مسعى فلسطيني لإعادة بناء الذات، والانطلاق في حركة تحررية، مع السعي لأسرلة المجتمع الفلسطيني، في الداخل، وحرمانه من حقوقه، والإبقاء على حياته في هامش مجتمع المستوطنين.
حكاية "يوم الأرض"
بدأت إرهاصات يوم الأرض، في 21 أيار/ مايو 1975، عندما عقد نشطاء سياسيون ومثقفون في الداخل الفلسطيني المحتل 1948، اجتماعاً في حيفا، لمناقشة الرد والفعاليات التي يجب التحرك في إطارها للرد على مشاريع الاحتلال لمصادرة الأراضي العربية، وإقامة مشاريع استيطانية عليها.
بعد اجتماعات النشطاء والمثقفين تشكلت لجنة "مبادرة الدفاع عن الأراضي"، التي دعت لعقد اجتماع آخر في 14 آب/ أغسطس 1975، وتشكلت منه "اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي"، وضمت في عضويتها 120 عضواً من جميع التيارات الفكرية والسياسية، في الداخل الفلسطيني المحتل، وقرر الاجتماع تشكيل لجان محلية في القرى والبلدات بهدف حماية الأراضي من خطر الاستيطان والمصادرة.
أحدث هذا الحراك دافعية بين الجماهير الفلسطينية، في الداخل المحتل، للتحرك نحو عقد مؤتمرات في عدة مدن وبلدات، ومواجهة سياسة مصادرة الأراضي، وكان الحدث الذي فجَر الغضب هو قرار رئيس حكومة الاحتلال حينها، إسحاق رابين، في 29 شباط/ فبراير 1976، مصادرة 20 ألف دونم من أراضي الجليل المحتل.
بعد قرار رابين عقدت "اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي" اجتماعاً، في 6 آذار/ مارس، حضره 70 مندوباً من مختلف القرى، وقرروا إعلان الإضراب العامّ في 30 آذار 1976 وتحويل هذا اليوم إلى "يوم الأرض".
بعد قرار الإضراب قرر الاحتلال تعزيز قواته في الناصرة والقرى الفلسطينية، واتخاذ إجراءات عدوانية ضد الإضراب والفعاليات المناهضة لمصادرة الأراضي، وانضمت مختلف المؤسسات الإسرائيلية إلى جهود محاولة إجهاض الإضراب.
ورغم محاولة رؤساء سلطات محلية إلغاء الإضراب، خلال اجتماع عقدوه في مدينة شفا عمرو، في 25 آذار/ مارس، إلا أن مسؤولين آخرين رفضوا وصمموا على المضي في الفعاليات.
بدأت المواجهات في قريتي دير حنّا وعرّابة، في 29 آذار/ مارس، وأصيب خلالها عدد كبير من الفلسطينيين برصاص شرطة وجيش الاحتلال، وانضمت الجماهير في سخنين للحراك، وأغلقت الطرق أمام الآليات العسكرية لمنعها من الدخول إلى دير حنَا وعرَابة.
في فجر 30 آذار/ مارس، دفع الاحتلال بقوات كبيرة من الجيش والشرطة وحرس الحدود إلى عدة قرى وبلدات فلسطينية، في الداخل المحتل 1948، ورغم الإجراءات العدوانية والاعتقالات لشخصيات ونشطاء، إلا أن الإضراب نجح والتزمت مختلف القرى والمناطق به.
واستشهد خلال المواجهات، في سخنين وعرابة ودير حنا وكفر كنا، كلاً من: رجا أبو ريا، وخضر خلايلة، وخديجة شواهنة، وخير ياسين، ومحسن طه، ورأفت زهيري من مخيم نور شمس في طولكرم، وجرح نحو 50 فلسطينياً، واعتقل 300 آخرين.
وتفاعلت مع أحداث يوم الأرض القوى الفلسطينية، في الخارج، ممثلة بمنظمة التحرير، والتنظيمات والفصائل التي كانت تنشط في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، واتسع التضامن إلى النطاق العربي والإسلامي والدولي، وصار يوم الأرض حدثاً سنوياً تنظم فيه الفعاليات للتذكير بالصراع المستمر بين الفلسطينيين أصحاب الأرض مع القوى الاستعمارية الصهيونية التي تسعى منذ بداية المشروع الصهيوني للسيطرة على الأرض وطرد أصحابها منها.
ماذا قالت أحداث يوم الأرض؟
جاءت مواجهات وإضراب "يوم الأرض"، في الداخل الفلسطيني المحتل 1948، في صورة انقلاب على السياسات الاستعمارية التي مارستها قوة الاحتلال، بحق الفلسطينيين الذين بقوا بعد النكبة التي شردت ودمرت حياة مئات آلاف الفلسطينيين وحولتهم إلى لاجئين في مواقع مختلفة، في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، ولبنان وسوريا والأردن ومناطق أخرى في الشتات الفلسطيني المستمر.
عملت دولة الاحتلال منذ بدايات قيامها على أنقاض الشعب الفلسطيني، على منع المجتمع الفلسطيني، في الأراضي المحتلة 1948، من الاجتماع مجدداً في كتلة سياسية واجتماعية واحدة، تمنحه القدرة على تشكيل حركة تحرر في وجه سياسات الاحتلال والقمع ومصادرة الأراضي والاستيطان.
فرض الاحتلال الحكم العسكري على الفلسطينيين، في الأراضي المحتلة 1948، عمل خلال سنواته التي امتدت إلى الستينات، على تقطيع الترابط الاجتماعي والسياسي، وحصار الفلسطينيين في مناطقهم، وفرض الأسرلة عليهم، وتنصيب شخصيات محسوبة عليه عليهم، وجرهم إلى التصويت للأحزاب الصهيونية خاصة "حزب العمل"، الذي كان يسيطر على الحياة السياسية في دولة الاحتلال.
وعمل على عزل الفلسطينيين، في الداخل الفلسطيني المحتل 1948، عن المجتمعات العربية والإسلامية، وبقية المجتمع الفلسطيني، في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، وجاء حدث احتلال بقية الأرض الفلسطينية في 1967، ليفتح الاتصال والتواصل من جديد بين الداخل والضفة وقطاع غزة، وتشكلت على إثر ذلك من جديد علاقات سياسية واجتماعية.
تحرك المجتمع الفلسطيني، في الداخل، في يوم الأرض لأول مرة جماعياً، وفي إطار سياسي منذ النكبة، لمواجهة التحدي الاستراتيجي المفروض على حياته ومستقبله، وهو سرقة الأراضي والاستيطان.
لا يتوقف يوم الأرض على كونه ذكرى تمر سنوياً، وفعاليات تنظيم لتجديد العناوين الوطنية الفلسطينية للتمسك بالأرض، بل مرتبط بالواقع الفلسطيني الحالي، خاصة في مرحلة حرب الإبادة الجماعية، التي عاشتها قطاع غزة، والعدوان على الضفة والقدس المحتلتين، والمخاطر التي تهدد الفلسطينيين في الداخل والشتات، والتهديدات بهدم المسجد الأقصى، وتهجير كامل الشعب الفلسطيني من أرضه.
أسئلة يعيدها "يوم الأرض"
ترتبط العودة إلى يوم الأرض في المركز الأساسي، من التفكير السياسي الجماعي الذي يجب أن يجري على مستوى كل الفلسطينيين، بما عندهم من فصائل ومؤسسات ومثقفين ونشطاء ونخب وعلى مستوى المجتمع، هو كيف تثور الجماهير الفلسطينية وأين تقف ثورتها ولماذا يحصل ما حصل على مستوى الأهداف والتطلعات.
خاض الفلسطينيون، في الداخل الفلسطيني المحتل، عدة هبات، خلال العقود الماضية، لأهداف مختلفة، تحت الإطار الواسع لمواجهة سياسات الاحتلال، لكن أسئلة واسعة بقيت لازمة لطرحها على واقع هذه الهبات.
أبرز الأسئلة هو دور القيادة الوطنية التي تتمثل بالأحزاب والحركات السياسية والنخب، في هذه الهبات، بين من يرى أن الهبات كانت تتحرك بشكل عفوي، بناء على تراكمات تنفجر في لحظة، وأحياناً يأتي الانفجار في وقت متلازم مع انتفاضات فلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما في بداية انتفاضة الأقصى، وهبة سيف القدس، في أيار/ مايو 2021.
وتحمل آراء تحليلية ودراسات القيادات مسؤولية عدم تطور هذه الهبات، وترى أن القيادات كانت غير قادرة على الذهاب بالانتفاضات الشعبية، في الداخل، نحو نسق تحرري شامل ومتواصل لتحقيق أهداف بعيدة المدى.
ورغم الفروقات بين القيادات، على مستوى الأيديولوجيا والموقف من العلاقة مع دولة الاحتلال، إلا أن النظرة النقدية ترى أن تفويت الفرص لتطوير الهبات قادم من موقف سلبي وتردد تحمله هذه القيادات، وعدم تطور حركة سياسية قادرة على حمل خطاب تحرري شامل، بشكل عام، رغم وجود تنظيمات في الداخل رفضت الانخراط في "الكنيست"، إلا أن سياسة "الحفاظ على البقاء" بقيت مسيطرة على التفكير، ومنعت الاندفاع نحو الاستمرار في عمل انتفاضي مستمر وطويل المدى، كما حصل في الضفة والقدس المحتلتين وقطاع غزة.
ومن بين الأسئلة المركزية، في هذا السياق، هو لماذا لم تطور الجماهير ذاتها الهبات نحو فعل مستمر على مستوى بعيد المدى، وتجبر القيادات على الانخراط فيها، بين من يعود بالأسباب إلى الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون، في الداخل المحتل، الذين وصلوا إلى مرحلة جراء سياسات الاحتلال، يعيشون على هامش الاقتصاد الإسرائيلي، وجزء منهم حصل على وظائف عليا، لكنهم دون أن يكونوا فاعلين مؤثرين، وبذلك بقوا في حالة بين حالتين، تمنع تطور نخب من الطبقة الوسطى ترفع مشروع تحرري جاد تجاه الاحتلال.
ومن الأسباب المطروحة، هي التفكك الذي عملت عليه أجهزة الاحتلال، خاصة بعد انتفاضة الأقصى، داخل المجتمع الفلسطيني، في الداخل المحتل 1948، وهذا ملحوظ في السنوات الأخيرة مع انتشار عصابات الجريمة.
واجب لا يمكن تأجيله
يعود يوم الأرض هذا العام والشعب الفلسطيني يواجه مخاطر وجودية كبيرة، تتمثل بالاندفاع الإسرائيلي نحو السيطرة الكاملة على ما تبقى من أرض للفلسطينيين، في الضفة والقدس، بعد حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، بأشكال مختلفة، والعدوان الشامل الأمريكي - الإسرائيلي على المنطقة العربية والإسلامية.
وما زال الصراع على الأرض هو جوهر النضال المستمر ضد الحركة الصهيونية، منذ أكثر من قرن، وهو ما يفرض على الفلسطينيين والعرب والمسلمين، الخروج من الشعارات إلى برنامج عملي، يجعل من حماية الأرض، ووقف المشروع الاستعماري الصهيوني ضرورة للبقاء لا مجرد قضية مؤجلة.



