شبكة قدس الإخبارية

رفعنا سرعتك والأزرق بخدمتك

ما مدى نجاح الرقابة العسكرية الإسرائيلية على وسائل الإعلام؟

35e2ac35ba0f2ba27063b1cf52fe7fa4
جهاد رجب

تعُرف الرقابة العسكرية على أنها مجموعة القوانين التي يتم فرضها لحظر نشر بعض المواد الصحفية والإعلامية على وسائل الإعلام والتي ترى فيها السلطات على أن نشرها قد يتسبب بضرر نفسي أو عسكري أو قانوني على الدولة التي تفرض هذه الرقابة أو مواطنيها.

وتعتبر (إسرائيل) من أكثر الدول حول العالم التي تطبق ذلك النوع من الرقابة على وسائل الإعلام، جراء حالة الحرب المستمرة التي تعيشها تلك الدولة مع بعض الدول في المنطقة والتنظيمات اللادولانية كالفصائل الفلسطينية، والتي تطورت قدراتها التكنولوجية بشكل كبير لمحاولة الحصول على معلومات عن الجيش والمجتمع الإسرائيلي.

وتعمل الرقابة الإسرائيلية وفق قوانين الطوارئ التي أصدرها الانتداب البريطاني عام 1945، وتزيد الرقابة من استخدامها لتلك القوانين أثناء الحروب التي خاضتها (إسرائيل)، وتحظر القوانين الإسرائيلية نشر أي مواد سرية من الأرشيف القومي الإسرائيلي إلا بعد ربع قرن على الأقل وقد تطول الفترة وفقاً للتقديرات الرقابة في (إسرائيل).

ولم يطرأ على الك القوانين أي تغيير منذ ذلك الحين، وهو الأساس القانوني الذي تعمل بموجبه الرقابة العسكرية اليوم، حيث تجبر هذه التشريعات فرض رقابة أمنية على أي محتوى قبل نشره.

فعلى سبيل المثال ينص البند 44 من القانون الأساسي على: "كل قرارات الحكومة واجتماعات الوزراء الخاصة بمناقشة الشؤون الأمنية تعتبر أسرار يحظر نشرها، إلا بعد السماح بنشرها من قبل رئيس الوزراء أو أي شخص آخر مخول بذلك".

وتشديداً في منع تسريب أي معلومة لا ترغب بنشرها الرقابة العسكرية الإسرائيلية، فقد دأبت إسرائيل على منح بطاقات صحفية لعدد محدود من الصحفيين الذين يسمح لهم بالاطلاع على المعلومات المراد نشرها وذلك بهدف نشر وتوجيه تلك المعلومات في الاطار الذي يخدم الأهداف الإسرائيلية.

ويحق للرقيب العسكري وفقاً لمواد قانون الدفاع وقت الطوارئ رقم 87 و97، أن يصدر أوامر بعرض كتب للمراجعة قبل نشرها، أما بالنسبة للمنشورات الصحفية فمنذ سنوات عديدة تكتفي الرقابة بإرسال أمر شخصي لناشري الصحف والمجلات الدورية، لكن في عام 1988 أصدر الرقيب العسكري أمراً عاماً لأوقات الطوارئ، الأمر يقضي بتقديم المادة للفحص قبل نشرها، كل المواد التي تتعلق بأمن الدولة، والسلم والنظام المجتمعي في (إسرائيل)، أو ما يتعلق بالضفة الغربية وقطاع غزة، والعلاقات العربية الإسرائيلية، حتى وإن كانت المعلومات نُشرت بالفعل.

كذلك يرسل المراقب العسكري من وقت لآخر لوسائل الإعلام قوائم المواضيع التي يجب عرضها مسبقاً قبل النشر، حيث تشمل القائمة المواضيع التي أعلنت عنها الحكومة بموافقة لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، مثل "معلومات سرية" ومواضيع أخرى يحددها الرقيب العسكري.

واعترفت هيئة الرقابة العسكرية في تقرير صادر عنها في شهر يوليو 2018، أنها تقوم بتعديل خبر من أصل 5 أخبار يومياً يتم نشرها على وسائل الإعلام الإسرائيلية، كما وأظهر التقرير زيادة كبيرة من قبل الرقابة على نشر العديد من الكتب التي ألفها كتاب إسرائيليين، فقد سمحت بنشر 31 كتاباً من أصل 83 كتاباً خلال عام 2017.

ولم تقتصر الرقابة العسكرية الإسرائيلية على الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة بل امتدت لتطال المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتمكنت مؤخراً بعقد اتفاقيات مع كبريات شركات التواصل الاجتماعي في العالم كفيسبوك وتوتير بهدف حذف أو حظر أي محتوى ترى فيه أنه يضر بـ (إسرائيل).

لا شك أن تلك الرقابة وعلى الرغم من حظرها لمعلومات مهمة عن الخصوم في أوقات السلم أو الحرب، إلا أنها صعدت من حالة النقد الداخلي والخارجي لحالة قمع الحريات في (إسرائيل).

في المقابل لم يقف الخصوم في موقف العاجز أمام تلك الرقابة، وتمكنوا من اختراق الأنظمة التي تفرضها الرقابة الإسرائيلية على المعلومات لا سيما العسكرية، فقد نجح الخصوم وتحديداً المقاومة الفلسطينية في جلب العديد من المعلومات العسكرية عبر أشخاص تم تجنيدهم في (إسرائيل) أو عبر الاختراق الالكتروني.

بل وعملت المقاومة الفلسطينية على كسر العديد من القيود التي تفرضها الرقابة العسكرية لا سيما أثناء الحروب، وكان لنشر العديد من المواد الإعلامية التي تظهر خسائر الجيش الإسرائيلي خلال حرب عام 2014، الوقع السلبي على الجيش والجمهور الإسرائيلي وما تصوير عملية نحال عوز وزيكيم إلا مثال بسيط.

وجاءت العملية الاستخبارية الإسرائيلية الفاشلة شرق خانيونس جنوب قطاع غزة، ونجاح حماس في كشف الخلية الاستخبارية وقتل أحد ضباطها، بل والتعرف على أفرادها ونشر صورهم على وسائل الإعلام بهدف مساعدة الجناح المسلح لحركة حماس في التعرف عليهم لتدخل الصراع بين المقاومة الفلسطينية والرقابة الإسرائيلية منعطفاً جديداً.

لم تفلح تلك الرقابة وعلى الرغم من تحذيرها للإسرائيليين من تداول ونشر الصور أو معلومات مرفقة معها نشرها الجناح المسلح لحركة حماس، إلا أنه وبعد تواصل مع شركات التواصل الاجتماعي حول العالم تمكن من حجب تلك الصور، بل وأسقط العديد من المواقع الإخبارية الفلسطينية التي نشرت الصور.

وامتد دور الرقابة العسكرية إلى أبعد من ذلك، فقد عملت خلال الفترة الأخيرة على زرع ثغرات برمجية في العديد من المواقع الإخبارية الفلسطينية وتحديداً تلك المقربة من حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية وذلك بهدف اسقاط تلك المواقع من خلال تلك الثغرات وقتما أرادت الرقابة العسكرية الإسرائيلية.

ضعف الامكانيات الفلسطينية في هذا المجال، حال دون مواجهة تلك الاختراقات، لا سيما وأن غالبية شركات الاتصالات الفلسطينية تأخذ خدماتها من قبل شركات إسرائيلية، وهو ما يعني سيطرة مسبقة للأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية على كل الشبكة العنكبوتية في الأراضي الفلسطينية.

وأثار دور الرقابة العسكرية الإسرائيلية سيل من الانتقادات المتلاحقة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية واتهمتها العديد من المؤسسات الحقوقية ناهيك عن أحزاب المعارضة بأن جزء من أهداف تلك الرقابة هو الحد من حرية الرأي والتعبير في إسرائيل.

واقترح كبار الإعلاميين في إسرائيل مرات عدة حل معضلة التعارض بين الحاجة للرقابة وبين التطبيق العملي لها واستغلالها لأهداف أخرى من خلال استبعاد الحكومة من اتخاذ القرارات الخاصة بموضوع الرقابة، أو بعبارة أخرى أن لا تكون المؤسسة الأمنية هي صاحبة القرار في هذا الموضوع، أو على أقل تقدير أن يكون هناك إشراف ورقابة على عملها.

الساحات الرمادية والليونة في تطبيق الرقابة وأوامر منع النشر، جعلت وسائل الإعلام لا تمارس أي ضغط لتغيير الوضع القانوني للرقابة، وهذا أحد أسباب فشل مقترحات الإصلاح طوال السنين الماضية.

التغيرات في مجال الإعلام زادت الفجوة المعرفية ما بين الجهة الرقابية الأساسية – السلطة القضائية – وما بين منظومة الرقابة _المؤسسة الأمنية_ وبين ميدان الرقابة المتمثل في مجال الإعلام.