شبكة قدس الإخبارية

خاص| بعد ارتفاع أسعار المحروقات: أمتار تفصل الاقتصاد الفلسطيني عن الانهيار في الضفة

photo_2026-04-06_23-21-04

رام الله - خاص قدس الإخبارية: يوشك الاقتصاد الفلسطيني أن ينهار، بفعل عوامل عديدة، كان آخرها مطلع الشهر الجاري بإعلان هيئة البترول التابعة لوزارة المالية، ارتفاع أسعار المحروقات بنسبة تتفاوت بين 20 إلى 40 بالمئة، الأمر الذي انعكس على جميع مفاصل الحياة اليومية التي تمسّ المواطنين، أولها المواصلات إن كانت عبر المركبات الخاصّة أو العمومية، ثمّ مختلف القطاعات، مثل "الإنشاءات" بمختلف أنواعها من البلاستيك، ومواد البناء. وسط ترقب لارتفاع متوقّع خلال جميع السلع والمنتجات في السوق. 

وبحسب التسعيرة الجديدة المعلن عنها، سيباع ليتر البنزين 95 أوكتان بـ (7.90 شيقلًا) بعد أن كان 6.85. أما فيما يصل سعر البنزين 98 أوكتان إلى (8.86 شيقلًا) بعد أن كان 7.80، والسولار والكاز إلى (8.4 شيقلاً )لليتر الواحد بعدما كان 5.80، في حين ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي زنة 12 كيلوغرامًأ إلى (95 شيقلاً) بزيادة 20 شيقلاً دفعة واحدة. 

وفي توصيفه لواقع سوق المحروقات في الضفة الغربية، يؤكد عضو نقابة أصحاب محطات المحروقات، غالب التلبيشي لـ شبكة قدس أن الأسعار شهدت ارتفاعات "جنونية" هذا الشهر. موضحًا أن سعر السولار تحديدًا ارتفع بنسبة 40 بالمئة، وهي نسبة غير مسبوقة منذ نحو 30 عامًا. ويبيّن أن هذه الزيادة جاءت عقب الارتفاع العالمي في أسعار النفط نتيجة الحرب الإقليمية، إلا أن ما يفاقم الأزمة -حسب قوله- هو أن "نسبة الارتفاع في الضفة كانت الأعلى مقارنة بالأردن كدولة مجاورة، وحتى بالولايات المتحدة، وذلك رغم أن أسعار الوقود كانت مرتفعة أصلًا قبل اندلاع الحرب".

ويشير التلبيشي إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يُعد عاملًا رئيسيًا في الأزمات الاقتصادية التي تعانيها الضفة الغربية لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى وجود سوء في إدارة المال العام، ما يستدعي -وفق تعبيره- توضيحًا من وزارة المالية حول أسباب الارتفاع، حيث أن الارتفاع العالمي وحده ليس مبررًا. 

وفي ما يتعلق بالضرائب، يوضح التلبيشي أن "وزارة المالية تجبي نحو 3 شواقل عن كل لتر من الوقود، في حين يدفع أصحاب المركبات ضرائب إضافية ترفع إجمالي الجباية إلى نحو 4 شواقل للتر الواحد، وهي تكلفة يتحملها المواطن بشكل مباشر". ويضيف: "على وزارة المالية خفض نسبة الجباية من هذه الإيرادات، بما ينعكس إيجابًا على المواطنين". 

ويضيف أنه قبل اندلاع الأزمة، كانت كميات الوقود التي تدخل يوميًا تُقدّر بنحو 4.5 ملايين لتر من السولار والبنزين، ما يعني أن وزارة المالية كانت تجبي ما لا يقل عن 18 مليون شيقل يوميًا من المحروقات، دون احتساب عائدات الغاز. وفي سياق متصل، يوضح أن المحروقات تصل إلى الضفة عبر مسار يبدأ من أذربيجان مرورًا بتركيا ثم إسرائيل، وليس عبر مضيق هرمز، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مبررات هذا الارتفاع الكبير، ويستدعي توضيحًا من وزارة المالية.

ويلفت إلى أنه في اليوم الذي يدخل فيه للضفة على سبيل المثال (3 مليون لتر من البنزين والسولار)، فإن وزارة المالية تجبي منهم 12 مليون شيقل تقريبًا. 

ويؤكد التلبيشي أن الفئات الأكثر تضررًا من ارتفاع أسعار الوقود هي شريحة عامّة المواطنين، خاصة العمال والموظفين، في ظل الأعباء المعيشية المتزايدة عليهم. وعن مخزون الوقود  في الضفة، يقول التلبيشي: "يُقدّر مخزون المحروقات في الضفة بأنه دون الحد الأدنى، إذ لا يكفي لأكثر من يوم واحد، أي أن المخزون دون الصفر". ما ينعكس في استمرار أزمة الوقود وظهور الازدحام اليومي أمام محطات التعبئة، وهو ما يترك آثارًا سلبية على الأوضاع الاجتماعية.

ويشدد على أن الوقود يُعد عصب الحياة، ولا ينبغي أن يشهد هذا الارتفاع الكبير، نظرًا لانعكاسه المباشر على مختلف القطاعات، حيث يؤدي أي ارتفاع في أسعاره إلى زيادة أسعار جميع السلع في الأسواق. ويحذر التلبيشي من تفاقم أزمة المحروقات خلال الأيام المقبلة. ويضيف: "تتصاعد المخاوف من تفاقم أزمة المحروقات خلال هذا الشهر؛ بسبب الأعياد اليهودية وتراجع التوريد المنخفض أصلًا، إلى جانب احتمالية حدوث زيادات جديدة في الأسعار خلال الشهر المقبل، أو انخفاض إضافي في كميات التوريد، ما يتطلب من وزارة المالية إيجاد حلول عاجلة". 

وتفيد مصادر خاصة لـ"شبكة قدس الإخبارية" بأن محطات المحروقات تمتلك أرصدة مالية لدى وزارة المالية، موضحةً ذلك بمثال: "إذا حوّلت محطة وقود 100 ألف شيقل مقابل 100 لتر من السولار، ولم يصلها في اليوم التالي سوى 50 لترًا، فإن 50 ألف شيقل تبقى كرصيد لصالح المحطة لدى وزارة المالية". وفي ضوء ذلك، يكشف المصدر عن وجود دين مستحق على وزارة المالية لصالح شركة "بازِل" الإسرائيلية يقدّر بنحو 2.6 مليار شيقل، ما يطرح تساؤلات جدية تستدعي توضيحًا رسميًا حول أسباب تراكم هذه الديون، رغم أن محطات الوقود تقوم يوميًا بتحويل كامل قيمة الفواتير مسبقًا، في حين تتلقى كميات أقل من المحروقات، الأمر الذي يفترض أن ينعكس على شكل أرصدة دائنة لصالح المحطات لدى وزارة المالية، لا العكس تجاه شركات التوريد الإسرائيلية.

وكانت أول القطاعات التي انعكس عليها الارتفاع بشكل مباشر، المواصلات، إذ ارتفعت تعرفة الأجور بنسبة تتراوح بين 15 إلى 20 بالمئة. ثمّ أعلنت العديد من شركات قطاع الإنشاءات زيادة الأسعار بذات النسبة، وكلّ هذا ينعكس بشكل مباشر على المواطن باعتباره "المستهلك"، إذ يعوّض السائق أو التاجر ارتفاع سعر الوقود، بارتفاع سعر الخدمة المقدّمة، بينما يدفع المواطن الثمن. 

وشهدت المواد المستخدمة في القطاعات الإنشائية، مثل البلاستيك والإسمنت ومواد البناء، زيادات ملحوظة، انعكست بشكل مباشر على السوق والمستهلكين. وفي هذا السياق، يوضح مدير عام اتحاد الصناعات الإنشائية الفلسطيني خالد صافي، في حديثه لـ "شبكة قدس"، أن المحروقات تُعدّ مكوّنًا أساسيًا في مدخلات الإنتاج للقطاع الإنشائي، الأمر الذي دفع المصانع إلى رفع أسعار منتجاتها نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل.

ويشير صافي إلى أن القطاع يعاني أصلًا من حالة ركود حادة منذ نحو عامين، وصلت إلى 70%، مؤكدًا أن ارتفاع أسعار المحروقات فاقم من حدة الأزمة، وزاد الضغوط على المصانع العاملة في هذا المجال. كما يلفت إلى أن مركبات النقل التابعة لقطاع الإنشاءات تستهلك كميات كبيرة من الوقود، ما يجعل أي ارتفاع في أسعاره ينعكس مباشرة على كلفة التشغيل والنقل.

ويبيّن أن العديد من دول العالم تعتمد ما يُعرف بالمحروقات الصناعية، التي تُستخدم في تشغيل المصانع بأسعار مخفّضة، إلا أن هذا النظام غير متوفر في فلسطين، حيث تُباع المحروقات للقطاع الصناعي بنفس أسعارها للمركبات الخاصة. وفيما يتعلق بأسعار المواد، يؤكد صافي أن سعر طن الإسمنت ارتفع خلال العامين الماضيين بما لا يقل عن 150 شيقل، أي بنسبة تصل إلى 40%، ما شكّل عبئًا إضافيًا على القطاع.

ويضيف أن مجمل هذه العوامل الاقتصادية أدت إلى زيادة الأعباء على قطاع الإنشاءات، وأسهمت في تراجع المبيعات والأرباح، في وقت تبقى فيه التكاليف التشغيلية للمصانع ثابتة دون انخفاض. ويحذّر صافي من ارتفاع معدلات البطالة في القطاع، نتيجة لجوء المصانع إلى تسريح العاملين إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو، في ظل عدم قدرتها على تحمّل الخسائر المتزايدة.

ويؤكد أن المواطن هو الأكثر تضررًا من هذه الارتفاعات، باعتباره المستهلك النهائي الذي يتحمل تبعات زيادة الأسعار. لافتًا إلى وجود توجه لعقد اجتماعات بين المصانع والوزارات المعنية، لبحث أزمة ارتفاع الأسعار، ودراسة إمكانية تحديد سعر استرشادي يحدّ من انعكاس هذه الزيادات على المستهلكين.

بدوره، يصف المستشار الاقتصادي ياسر شاهين ما يجري من ارتفاعات في السوق بأنها "طفرة غير اعتيادية"، موضحًا أن السبب الرئيس يعود إلى ارتفاع أسعار المحروقات، التي تُعدّ عنصرًا أساسيًا في مختلف العمليات الإنتاجية، سواء في قطاع السلع المستوردة وتوزيعها أو الخدمات.

ويبيّن شاهين، في حديثه لـ"شبكة قدس"، أن زيادة أسعار الطاقة تنعكس بشكل مباشر على مجمل النشاط الاقتصادي، بدءًا من عمليات التصنيع، مرورًا بالشحن والاستيراد، ووصولًا إلى حركة النقل بين المدن والمحافظات، حيث تؤدي زيادة تكاليف النقل إلى ارتفاع أسعار السلع المنقولة تلقائيًا.

ويشير إلى أن أسعار المحروقات في الضفة الغربية مرتبطة بمحددات مع الجانب الإسرائيلي، باستثناء "السولار" الذي يمكن استيراده بشكل مستقل، إلا أن السلطة الفلسطينية لم تلجأ إلى هذا الخيار حتى الآن. وفي السياق المالي، يلفت شاهين إلى أن ديون السلطة الفلسطينية تبلغ نحو 14.5 مليار دولار، ما يعكس حالة من الاعتماد الكبير على الإيرادات الضريبية لتسيير شؤونها.

واعتبر شاهين أنه كان من الأجدر بالحكومة تحمّل عبء عدم رفع أسعار المحروقات خلال الفترة الحالية، خاصة أنها تحقق نحو 4 شواقل كإيراد عن كل لتر بنزين أو سولار، وتأجيل القرار لمراقبة الأوضاع، إلا أن الزيادة الحالية انعكست سلبًا على المواطنين، ومن المرجح أن تتفاقم آثارها خلال الفترة المقبلة.

ويؤكد أن الظروف الراهنة تُعدّ استثنائية، في ظل تراجع القوة الشرائية للمواطنين من نحو 50% إلى قرابة 30% مقارنة بما كانت عليه قبل أسبوعين، أي خلال شهر رمضان، نتيجة نقص السيولة النقدية وارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف عمال الداخل.

ويشير شاهين إلى أن العبء الضريبي في الضفة الغربية يُعدّ من الأعلى عالميًا، متجاوزًا مستويات العديد من الدول الأوروبية، نتيجة تعدد الرسوم والضرائب وتكاليف المعابر والخدمات، ما يفاقم الأعباء الاقتصادية التي تنعكس كلّها على المواطنين.

ويشدد على أن المحروقات تمثّل المحرك الأساسي لأسعار جميع السلع في السوق، ما يجعل أي زيادة فيها تنعكس بشكل مباشر وشامل على الأسعار، من المواد الغذائية والتموينية، والحاجات الأساسية اللازمة لاحتياجات المنازل يوميًا.

 ويحذّر من أنه في حال استمرار موجة الارتفاع الحالية، فإن الشهر المقبل سيشهد زيادات جديدة في أسعار السلع، بما في ذلك الصناعات الغذائية والسلع التجارية، نتيجة تحمّل التجار كلفة الارتفاعات الحالية، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع واسع في أسعار مختلف احتياجات المواطنين.

وفي توصيفه للوضع الاقتصادي، يؤكد شاهين أن الضفة الغربية تمرّ بحالة تباطؤ اقتصادي حاد، نتيجة تراجع مداخيل المواطنين مقابل استمرار ارتفاع الأسعار، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبات كبيرة في الوفاء بالتزاماتها، إذ يحتاج الموظفون إلى ما يقارب 14 راتبًا متراكمًا على الحكومة، في وقت تتفشى فيه البطالة، وتنقطع منذ أكثر من عامين مئات ملايين الشواقل عن السوق، والتي كانت تصرف من من عمّال الداخل المحتل. 

ويضيف أن الحكومة تعاني كذلك من ارتفاع حجم مديونيتها للبنوك، التي أوقفت إقراضها، في ظل وصول الدين العام إلى نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يشكّل مؤشرًا اقتصاديًا بالغ الخطورة. كما يحذّر من مؤشرات مقلقة تتعلق بقدرة الحكومة على الاستمرار في تسيير أعمالها التشغيلية، بما يشمل انتظام دوام الموظفين وتشغيل الوزارات، خاصة في ظل استنزاف المواطنين لمدخراتهم المالية بشكل شبه كامل.

وفي جانب الخدمات، يلفت شاهين إلى أن أزمة الوقود وارتفاع أسعاره انعكست حتى على عمل الهيئات المحلية، حيث أدى ذلك إلى تراكم النفايات في المدن، نتيجة تأثر عمل مركبات جمع النفايات، ما يعكس امتداد الأزمة إلى مختلف مناحي الحياة اليومية.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0