شبكة قدس الإخبارية

"إسرائيل" الجديدة.. تناقضاتها وعدوانها.. الرداءة والفرصة

89D3CA9C-72C3-42FF-BDF9-7FA14C9DC849
ساري عرابي

تفتتح الحكومة الصهيونية الجديدة، حكومة بنيامين نتنياهو، العام الجديد باقتحام وزير الأمن القومي، ورئيس حزب القوّة اليهودية، إيتمار بن غفير، المسجد الأقصى المبارك، بحماية المنظومة الأمنية الصهيونية برمّتها، في مسعى للتأكيد على المضيّ في الأجندة السياسية المنبثقة عن الرؤية الأيديولوجية، للقوى الخلاصية والكهانية التي بات نتنياهو مضطراً للاتكاء عليها، في وجه آخر لحقيقة الموقف داخل الكيان الصهيوني.

صحيح أن اقتحام المسجد الأقصى، أو هدمه، أو الاستعجال في بناء الهيكل، ليس محلّ إجماع صهيوني، بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية داخل الكيان، سواء من حيثيات دينية خلافية بين التيارات الدينية الحريدية التي ترى حرمة ذلك حاليّاً، وبين تيارات الصهيونية الدينية التي ترى في تعجيل المواجهة تعجيلاً في نزول المسيح المخلّص، أم من حيثيات سياسية واستراتيجية ترى في النزوع الجارف للصدام منفلت العقال للقوى الخلاصية وقوى الصهيونية الدينية من شأنه تقويض سياسات احتواء المجتمع الفلسطيني وتفكيكه الناعمة، كسياسات "تقليص الصراع" و"السلام الاقتصادي"، بالإضافة إلى احتمال إضعاف مشاريع التمدد والاختراق في المجال العربي والإسلامي، فضلاً عن المركزية التاريخية للمنظومة الأمنية، لا سيما الجيش، في صياغة استراتيجيات المواجهة، ليس فقط لكون الجيش ظلّ القلب الذي يلتفّ حوله الكيان، وإنما للاستثمار الهائل للكيان في منظومته الأمنية، لوعيه العميق بأزمته الوجودية، ومن ثمّ ما اتسمت به هذه المنظومة من ثبات، يتيح لها قراءات أكثر دقة للموقف السياسي والاستراتيجي؛ هذه المركزية قد تغدو محلّ تآكل بطيء لصالح نفوذ تلك القوى..

لن يخلو الموقف الصهيوني من إجماعات نسبيّة في موضوع الصراع مع الفلسطينيين، وإن كانت القوى الحريدية، غير معنية بالموضوع السياسي، بالقدر نفسه للقوى الأخرى، لكنها صارت لاعباً في هذه الحلبةذلك كلّه صحيح، لكن لن يخلو الموقف الصهيوني من إجماعات نسبيّة في موضوع الصراع مع الفلسطينيين، وإن كانت القوى الحريدية، غير معنية بالموضوع السياسي، بالقدر نفسه للقوى الأخرى، لكنها صارت لاعباً في هذه الحلبة.

اتضح طوال مسيرة مشروع التسوية بين منظمة التحرير والكيان الإسرائيلي، وعلى تعاقب الحكومات الإسرائيلية، باختلاف رؤاها السياسية وتحالفاتها الداخلية، أن الضفّة الغربية، ستبقى ضرورة كبرى للكيان، لا يمكن له التخلّي عنها، لأسباب تفرضها دعاية الاستقطاب الصهيوني، وافتقار الكيان للعمق الإستراتيجي، لينتهي الخلاف الداخلي إلى تفاصيل إدارة ملفّ الضفّة الغربية.

كما أنّ تكريس اقتحام المسجد الأقصى، يندرج في تثبيت السيادة الصهيونية على القدس برمّتها، التي ينزف منها الكيان كرامته المهدرة، ثمّ استفاد الكيان بالتجربة خبرة تثبيت الوقائع وفرضها وجعلها مرجعية سياسية والبناء عليها، وقد كان دائماً ما يقيس الخسائر بالنسبة للتثبيت البطيء المدروس للوقائع، التي كانت تتسارع وفق الضرورات الأمنية، أو في ظروف المواجهة المستنزفة للكيان، التي تبدّل لديه خطواته بحسب تزاحم الأولويات عليه.

تكريس اقتحام المسجد الأقصى، يندرج في تثبيت السيادة الصهيونية على القدس برمّتها، التي ينزف منها الكيان كرامته المهدرة، ثمّ استفاد الكيان بالتجربة خبرة تثبيت الوقائع وفرضها وجعلها مرجعية سياسية والبناء عليها، وقد كان دائماً ما يقيس الخسائر بالنسبة للتثبيت البطيء المدروس للوقائعما يقلق العقول الإسرائيلية الأكثر خبرة في الصراع هو الاندفاعات غير المحسوبة، والتي لا تُلجئ إليها ضرورات أمنية لحوحة، لكن هذه الاندفاعات قد تصبح وقائع ثابتة في السياسة الإسرائيلية، إن مرّت دون تكليف العدوّ ثمنها، أو دون تحميلها له عبئاً منهكاً ومستنزفاً، أو بحسب تعبيراته هو، دون "كيّ وعيه" جراء الإقدام عليها.

لا يتعلق الأمر فحسب بالرداءة التي تضرب في بنى الكيان، ولكن المعطيات المحيطة بالضرورة تزيده جرأة، سواء كانت جرأة محسوبة خبرها في طوال وجوده، أم كانت من نوع هذه الاندفاعات التي قد تخشى منها مستويات عميقة فيه أو ذات خبرة طويلة، ولكنّ الظرف المحيط بالفلسطينيين، من انكشاف عربيّ كامل عنهم، وتعميق العلاقات التطبيعية نحو تحالفات وثيقة، وخلوّ الظرف السياسي العربي من قوى ذات وزن؛ لديها مواقف أكثر صلابة في دعم الفلسطينيين، وكذلك بالنسبة للظرف الذاتي، من سياسات السلطة المتمركزة حول "اللا شيء" سوى تثبيت نفسها مصلحة دائمة لنخبتها بلا أيّ وعد سياسي، بما يكرّس الفاعلية الفلسطينية في الصراع الداخلي بدلاً من مواجهة العدوّ.. ذلك كلّه سيزيد العدوّ جرأة، وقد يجعل بالنسبة لأجهزة التفكير الاستراتيجي الصهيوني؛ اندفاعات القوى الخلاصية والصهيونية الدينية ذات وجاهة!

الرداءة الإسرائيلية، وبقدر ما قد تسرّع من اندفاعات كهذه، فإنّها في الوقت نفسه انعكاس للتناقضات الإسرائيلية الداخلية، التي تتجلّى في تمركز الفعل السياسي الإسرائيلي الداخلي حول تأييد بنيامين نتنياهو أو التناقض معه، وسعي القوى الحريدية والصهيونية الدينية للاستفادة من هذا التناقض على نحو انتهازي. وهو أمر آخذ بالظهور، في تغيير القوانين، والتحوير في بنى الكيان ومؤسساته وأجهزته، وإضعاف الديمقراطية الإسرائيلية، وجعل التيارات الدينية والعلمانية في وجه بعضها أكثر من أيّ وقت مضى، وهو ما يعني أن التناقض مع الفلسطينيين، وإن لم يعد محلّ خلاف واسع بين تيارات الكيان، فإنّه من جهة ما غير منفكّ عن الرداءة الإسرائيلية.

هذا التعقيد، وإن كان يشير إلى صعوبة الدور وثقل المهمة، فإنه في الوقت نفسه يشير إلى الفرصة الممكنة والمتاحة، ويكشف عن أن العدوّ ليس في أحسن أحواله، وهو ما يستدعي من القوى المعنية فعلاً بعبء المواجهة، والمدركة جيداً لخطورة سياسات السلطة، أن تعود مجدّداً للاجتماع، وتجاوز الخلافات الضيقة إزاء قضية كبرى كهذه، وتوحيد جهودها، وتطوير سياساتهاهذا المشهد يحيل إلى تعقيد، فالاندفاعات الإسرائيلية بقدر ما هي ناجمة عن ضعفه، ناجمة عن ضعفنا نحن: الرداءة العربية غير المسبوقة، وتحوّل السلطة إلى هدف بلا أفق. فمن جهة سيصبح الإسرائيلي أكثر جرأة على الفلسطينيين، ومن جهة أخرى سيجد الفلسطيني الساعي للفعل إزاء ذلك نفسه مقيداً، بسبب موقف السلطة وسياساتها، أو قد يشكّ في جدوى فعله، لمجمل هذا الظرف المعقّد.

لكن هذا التعقيد، وإن كان يشير إلى صعوبة الدور وثقل المهمة، فإنه في الوقت نفسه يشير إلى الفرصة الممكنة والمتاحة، ويكشف عن أن العدوّ ليس في أحسن أحواله، وهو ما يستدعي من القوى المعنية فعلاً بعبء المواجهة، والمدركة جيداً لخطورة سياسات السلطة، أن تعود مجدّداً للاجتماع، وتجاوز الخلافات الضيقة إزاء قضية كبرى كهذه، وتوحيد جهودها، وتطوير سياساتها، لاغتنام الفرصة بتعزيز تناقض العدوّ الداخلي، وتدفيعه ثمن أيّ اندفاعات قد تكرّس واقعاً وتزيده جرأة إذا لم تواجَه بما يناسبها من فعل فلسطيني ذاتيّ.