شبكة قدس الإخبارية

هل تتجه الأمور ما بين لبنان وكيان الاحتلال إلى التصعيد؟

432916-1987530392
أحمد الطناني

أعلنت شركة "انيرجين" المشغلة لحقل كاريش عن البدء بربط المنصة بأنابيب التوصيل وبدء عملية الضخ "التجريبي" العكسي من الشاطئ للمنصة، حيث أوضحت الشركة أن هذه الخطوة هي خطوة رئيسية في التحضير لعملية تشغيل المنصة. يأتي هذا الإعلان على أثر وقع الاجتماع الأخير للمجلس الوزاري المصغر في الكيان الصهيوني، الذي أكد فيه رفض التعديلات اللبنانية على المسودة التي قدمها الوسيط الأمريكي لكلاً من الاحتلال والدولة اللبنانية لترسيم الحدود البحرية وإنهاء أزمة استخراج الغاز على حدود لبنان مع فلسطين المحتلة، مما فتح الباب أمام احتمالات التصعيد من جديد، خصوصاً وان "كابينت" الاحتلال قد فوض لجنة مصغرة لإدارة ما اسمته بـ"سيناريوهات التصعيد" في حال نشوبها مع التأكيد على ضرورة بدء استخراج الغاز من منصة "كاريش".

الأطراف اللبنانية، على اختلافها، غير معنيةٍ بالذهاب إلى مواجهةٍ مع الكيان، بقدر سعيها إلى إنجازِ اتفاقٍ مُرضٍ يَحفظ حقوق لبنان في الطاقة، والاستثمارِ الأمثلِ للَّحظة التاريخية الراهنة، التي يحتاج فيها كيان الاحتلال إلى البدء باستخراج الغاز "المنهوب من حقوق الشعب الفلسطيني ومن مياهه المحتلة" نظرًا إلى الفرصة الاقتصادية الكبرى والحاجة الأمريكية المُلحَّة لتعويض جزءٍ من واردات الغاز للحلفاء في أوروبا لتحريرهم من سطوة إمدادات الغاز الروسية.

من جانبه يحتاج كيان الاحتلال إلى إنجاز الاتفاق في أسرع وقتٍ ممكنٍ للإيفاء بالتزاماته، بما فيها الالتزامات تجاه الشركة التي تتولى استخراج الغاز "إنيرجن"، التي من المفترض أنها بدأت عملية الاستخراج منذ منتصف سبتمبر المنصرم، وقد أُجِّلَ ذلك ارتباطًا بتفويت فرص التصعيد، وسط ادعاءٍ "إسرائيليٍّ" بأن التأجيل كان لـ"أسباب فنية".

مناورة الاحتلال وإطالة أمد المفاوضات

ناوَرَ الاحتلالُ في المفاوضات بما فيه الكفاية بغرض تحقيق أكبر مكاسب ممكنة، بما فيها محاولة تمرير صيغ تَحمل "شبهات تطبيعية"، مثل "الإدارة المشتركة" لبعض البلوكات، و"تقاسم الأرباح"، و"التعويضات المتبادلة" ما بين لبنان والكيان، إضافةً إلى وضع صيغ ملغومة في الاتفاق تَسمح للأخير بإعادة التدخل أو التداخل مع البلوكات التي ستُحسم على أنها ضمن الحقوق اللبنانية.

جاءت إطالة أمد المفاوضات من قناعةٍ لدى الاحتلال بأن غالبية الأطراف اللبنانية، وبدرجةٍ أساسيةٍ كلًّا من الرئيس ورئيس الوزراء، غير معنيةٍ بالذهاب إلى التصعيد ويمكن أن تقدِّم تنازلاتٍ محدودةً في إطار المفاوضات رغبةً في إتمام المفاوضات، إذ سعى الاحتلال إلى اللعب على ورقة الانقسام اللبناني-اللبناني في المواقف (وهو ما فشل بالمناسبة).

المعركة الانتخابية في الكيان الصهيوني في قلب الأزمة

يَمنح رئيسُ وزراءِ الاحتلالِ "يائير لابيد" المعركةَ الانتخابيةَ أهميةً استثنائيةً، وهو غير مستعدٍّ للمخاطرة، لا بفقدان أيٍّ من المقاعد المحتملة في الكنيست لصالح الوصول لاتفاقٍ مع لبنان، ولا باحتمالات التصعيد قبل الانتخابات بأقل من شهر، في الوقت ذاته.

الهجوم الواسع للمعارضة في الكيان الصهيوني، بقيادة رئيس الوزراء الأسبق "بنيامين نتنياهو"، على الاتفاق كان متوقَّعًا، لكنَّ بروز أصوات من داخل الائتلاف الحكومي، خاصةً "إيليت شاكيد" و"نفتالي بينت"، شكَّل عاملَ الضغطِ الأكبرَ على "لابيد" ووزير دفاعه "غانتس" اللذين لم يريدا المخاطرة بعدم القدرة على تمرير الاتفاق في حال قُرِّر عرضُه على الحكومة كاملةً لا الاكتفاء بتمريره في الكابينت.

عقَّدَ اللجوءُ للقضاء، وتحديدُ موعدٍ يسبق الانتخابات بأيامٍ للبتِّ في إمكانية أن تَعقد الحكومة الانتقالية الحالية اتفاقًا يرتبط بـ"ترسيم الحدود"، حساباتِ "لابيد" تعقيدًا كبيرًا، إذ إن قرار المحكمة سيشكِّل ضربةً قد تؤثر على كتلته التصويتية، في حال كان القرار متعارضًا مع توجُّه "لابيد" لإتمام الاتفاق.

الاستعراض الانتخابي والبحث عن الخيارات الآمنة

يبحث "لابيد" عن أكثر الخيارات أمانًا، مع استعراضٍ إعلاميٍّ يُثْبِت عكسَ الدعايةِ التي روَّجتها المعارضة في الكيان الصهيوني، حول كون الاتفاق يمثِّل "استسلامًا" للمقاومة في لبنان وشروطها، بالتالي عمد إلى إعلان رفض التعديلات اللبنانية قبيل انعقاد اجتماع "الكابينت" لمناقشة مسوَّدة الاتفاق، الذي نتج عنه تفويض لجنةٍ مصغرةٍ بعضوية "لابيد" و"غانتس" و"بينيت" لإدارة سيناريوهات التصعيد، والتأكيد على الاستخراج "التجريبي" من "كاريش".

سلوك الاحتلال مرتبطٌ بحسابات الانتخابات أكثر من ارتباطه بحسابات الربح والخسارة من الاتفاق بالمعنى الاستراتيجي، ويأتي ما يجري في إطار المزاودة الانتخابية، إذ يدير "لابيد" و"غانتس" لعبةً استعراضيةً، كلٌّ من جهته، للظهور بمظهر الأبطال لا المستسلمين، دون الانزلاق إلى احتماليةٍ جديةٍ للتصعيد مع حزب الله في لبنان.

التقدير حول احتمالات التصعيد

الموقف الأمريكي الضاغط لإنجاز الاتفاق حاسمٌ في منع خيارات التصعيد، إذ إن الذهاب إلى خيار التصعيد سيعني تأخير الاستخراج لمدةٍ غيرِ محسوبةٍ، ارتباطًا بالأضرار التي من الممكن أن تنتج في معدات الاستخراج ومنصات الاستكشاف بـ"كاريش"، ما يعني أن المصالح الأمريكية والحاجة المُلحَّة لإنجاز الاستخراج ستتضرَّر كثيرًا.

التقدير أنَّ حزب الله غير معنيٍّ بالانخراط في لعبة الانتخابات الصهيونية وحساباتها، وغير معنيٍّ بجعل "الاستخراجَ التجريبيَّ" السقفَ الذي يستوجب التصعيد، بالتالي قد يعمد إلى إرسال بعض الرسائل حول جدية تهديداته، دون المخاطرة بالتدحرج نحو تصعيدٍ جزئيٍّ أو شامل، بالتالي لن يُنَفِّذ الحزب عملًا هجوميًّا على منصات استخراج الغاز في المرحلة الحالية.

التقدير في جبهة الاحتلال أنَّ "لابيد" سيعمل على المماطلة في إنجاز الاتفاق إلى ما بعد الانتخابات دون البدء بالاستخراج الفعلي للغاز، إذ يشكِّل هذا الخيار بالنسبة له أسلَم الخيارات وأكثرها أمانًا، فإن عاد لتولِّي رئاسة الحكومة سيستكمل مسارَه بائتلافه الحكومي الجديد، وإن لم يَعُدْ ستكون هذه الأزمة أزمةَ رئيسِ الحكومةِ الجديدِ الذي سيكون عليه بالطبع تحمُّل تبعاتِ أيِّ سيناريو في حينه.

#لبنان #حزب_الله #حقل_كاريش