شبكة قدس الإخبارية

أثناء إخماده الانتفاضة الثانية.. كيف أسس الاحتلال قواعد هدوء نسبي؟   

163284880253731
نداء بسومي

فلسطين المحتلة - خاص قُدس الإخبارية: قبل 21 عامًا، انطلقت شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية “انتفاضة الأقصى” في مختلف الأراضي الفلسطينية، ونفذ الفلسطينيون حينها عدة عمليات ضربت عمق الاحتلال الإسرائيلي أسفرت عن مقتل 1069 مستوطنا، و4500 جريح، وعطب 50 دبابة من نوع "ميركافا" وتدمير عدد من السيارات العسكرية والمدرعات الإسرائيلية، بينما رد الاحتلال باجتياح دباباته المدن الفلسطينية ومنع التجوال، ونفذ عملية "السور الواقي" في محاولة للقضاء على المقاومين. 

وفي أعقاب الانتفاضة الثانية، بدأ الاحتلال بسلسلة إجراءات اقتصادية وأمنية للحد من أي مواجهة قادمة، وإخماد أي فتيل انتفاضة قبل اشتعالها، وعادت إشكالية أوسلو وتنفيذ خارطة الطريق إلى الواجهة، ولذلك قدم الضابط الأمريكي كيث دايتون كوسيط تفاوضي بين الاحتلال والسلطة من جهة، ومن جهة أخرى لبناء “الفلسطيني الجديد”، الذي يتعايش مع الاحتلال الإسرائيلي ويسعى للسلام، فكيف بنى الاحتلال على الانتفاضة الثانية واستفاد منها لمنع أي مواجهة مع الفلسطينيين؟ 

Quds-net2
 

إغراق الفلسطيني بالحياة المادية

سعى الاحتلال في أعقاب الانتفاضة الثانية إلى خلق أنماط اقتصادية استهلاكية في الضفة الغربية، بحيث تصبح هذه الأنماط معتادة بالنسبة للفلسطينيين، ويصبح التخلي عنها مسألة مرفوضة من قبل شريحة واسعة، وبحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل د. بلال الشوبكي فإن الفلسطيني يصبح متوجسًا من أي عملية تغيير للوضع القائم أو المشاركة في أي حالة نضالية فلسطينية ستتم مواجهتها بحرمانه من هذه الأنماط. 

“إن مصادر دخل المجتمع الفلسطيني الأساسية تتلخص في ثلاث جهات محكومة بإرادة الاحتلال الإسرائيلي، المصدر الأول رواتب الموظفين في القطاع العام، وهؤلاء الموظفون لا يمكنهم أن يأخذوا رواتبهم إلا من خلال تحويل “إسرائيل” لأموال المقاصة الفلسطينية، المصدر الثاني وهو العمال الذين يعملون داخل الخط الأخضر، وهؤلاء العمال لا يمكنهم أن يحصلوا على دخلهم دون استصدار تصاريح من الاحتلال الإسرائيلي، والمصدر الثالث هم التجار، وهؤلاء لا يمكن أن يؤدوا أدوارهم في حركة الاستيراد والتصدير دون استصدار تصاريح عمل وتسهيلات على الموانئ والمعابر التي تسيطر عليها إسرائيل"، يوضح الشوبكي. 

وفي سبيل إجهاض أي انتفاضة قادمة، يرى الشوبكي أن الاحتلال شرع منذ منتصف الانتفاضة الثانية على إعادة ترتيب الكثير من القضايا الاقتصادية والاجتماعية بحيث تحول دون احتضان أي عمل مناوئ للسياسات الإسرائيلية، ويتابع: “عمل الاحتلال على تغيير العقيدة الأمنية الفلسطينية من عقيدة أمنية وطنية إلى أمنية وظيفية، واستعان الاحتلال لتحقيق ذلك بكثير من القوى الإقليمية والدولية لإعادة بناء المؤسسة الرسمية الفلسطينية، بحيث تصبح هذه المؤسسة هي الحاجز المنيع أمام تشكل أي حالة نضالية فلسطينية”.

ويرى الشوبكي، في حديث لـ “شبكة قدس” أن تصدي الأجهزة الأمنية الفلسطينية للاحتلال خلال هبة النفق عام 1996، بعث برسالة إلى “إسرائيل” بضرورة إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وزاد هذا التخوف خلال الانتفاضة الثانية، حينما انخرط الكثير من أبناء الأجهزة الأمنية في صفوف كتائب شهداء الأقصى."

ويضيف المحلل السياسي: “هذه المعطيات دفعت الاحتلال للاستعانة بقوى دولية من بينها الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة بناء وتشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ولاستحداث مناصب داخل السلطة تهدف إلى تقليل نفوذ الرئيس الفلسطيني آنذاك ياسر عرفات، وفي وقتنا الحالي، تستخدم “إسرائيل” أسلوبين لمنع أي انتفاضة: الترويض من خلال المال، التقييد من خلال الأمن”. 

معالجة الانتفاضة الثانية: منع الانتفاضات اللاحقة 

يرى المحلل السياسي والمختص في الشأن الإسرائيلي محمود المرداوي أن الاحتلال وضع أسسًا لمنع انتفاضات أخرى في أثناء معالجة الانتفاضة الثانية، تمثلت بتدخل مباشر لتغيير النظام السياسي الفلسطيني واغتيال ياسر عرفات، وشق الطريق أمام محمود عباس، "وقد تشكلت تحت سقف هذا التغيير اهتمامات مختلفة تماما، بقيادة سياسية لا تؤمن بالانتفاضة والكفاح المسلح".

ويضيف المرداوي، في حديث لـ “شبكة قدس” أن الاحتلال سعى ضمن سياسة عامة خلال الانتفاضة وبعدها إلى بناء نظرية الفلسطيني الجديد الذي لا يؤمن بالكفاح المسلح ويؤمن بانتظار التدخل العالمي من خلال المنظومة الدولية والأمم المتحدة، لحل القضية الفلسطينية على أرضية البكاء والمظلومية، بالتزامن مع تبعية اقتصادية والعمالة وإغراق البنوك الفلسطينية بالديون من خلال القروض.  

وحول رؤية الاحتلال الإنعاش الاقتصادي والتعايش كحل بديل عن الحلول الأمنية، يشير المختص في الشأن الإسرائيلي إلى أن رئيس وزراء الاحتلال نفتالي بينيت يهتم بتقليص الصراع،  وأن الاستطلاعات في داخل الجمهور الإسرائيلي تشير إلى أن ٦٠٪ من المستوطنين يرون أن حل الدولتين هو الحل، لكن الاحتلال والحكومة الفلسطينية لا يجيبان عن كيفية هذا الحل، وفي ظل هذه المعادلة ترى حكومة بينيت إمكانية الوصول لحل وسط وهو تقليص الصراع من خلال البعد الاقتصادي وليس السياسي، مع قابلية للازدواجية الاقتصادية والأمنية في مراحل لاحقة لكن ضمن سقف الحكم الذاتي وليس ضمن الاستقلال وبناء الدولة، والسلطة الفلسطينية تساعد في بناء هذا التوجه”.

من جانبه، يقول النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي د. حسن خريشة إن الاحتلال سعى خلال الانتفاضة الأولى وما نتج عنها من اتفاقية أوسلو إلى تقسيم نقاط التماس، حيث لكل مدينة فلسطينية نقاط تماس منفصلة عن الأخرى، وكان ذلك بهدف منع أي انتفاضة أخرى لكن الأحداث فاجأت الإسرائيليين، وبدأت انتفاضة الثانية. 

ولمنع أي انتفاضة قادمة، يرى خريشة أن الاحتلال عمل خلال انتفاضة الأقصى على عدة أصعدة، حيث مكّن جبهته الداخلية، وحرض المستوطنين ضد الشعب الفلسطيني، وفي ذات الوقت عمل على إضعاف القيادة الفلسطينية، ومن خلال اجتياحه كل المناطق الفلسطينية أعطى انطباعًا أن لا حصانة لأحد في الشارع الفلسطيني. 

بعد عامين من انطلاق انتفاضة الأقصى، بدأ الاحتلال في عملية "السور الواقي" التي هدف فيها إلى إنهاء الانتفاضة وإخماد جذوة المقاومة، وبحسب النائب في التشريعي فإن الاحتلال اغتال عددًا كبيرا من القيادات الفلسطينية، التي كانت تمثل جبهة المقاومة، واعتقل الكثير في سجونه، ما أحدث نقصًا في القيادات الميدانية الحقيقية، وقد نجح الاحتلال في خلق شعور فلسطيني بعدم إمكانية نجاح أي انتفاضة”. 

ويؤكد النائب الثاني في المجلس التشريعي، في حديثه لـ “شبكة قدس”، أن الاحتلال سيحاول منع أي انتفاضة قادمة بكل ما أوتي من قوة، لكن التطورات التي أعقبت معركة سيف القدس وعملية نفق الحرية، ألهبت الروح المعنوية لدى الشعب الفلسطيني، وبالتالي رهان الاحتلال على عدم قيام انتفاضة جديدة كان خاسرًا، وأي انتفاضة قادمة نرى بوادرها بدأت تطفو على السطح”.