شبكة قدس الإخبارية

ذكريات ذوي الإعاقة خلال العدوان.. ألم مضاعف

203025479_245272593604532_7840930615358619455_n
هديل الغرباوي

 

Quds-net2
 

غزة - خاص قُدس الإخبارية: باتت مظاهر عدة تؤلم الذاكرة والقلب، في كل منها أثر كبير يترك في النفس ما يجعلها تنبض وجعًا في كل لحظة وحين، وجعًا ليس له دواء سوى إنصاف المجتمع، إنصافه بكل فئاته، وخاصة تلك الفئة التي تعاني من إعاقات جسدية وبصرية، التي تعتصر ألمًا في كل خطوة تخطوها لتوفير لقمة العيش أو تحقيق هدف ما.

"كنت خائفاً على زوجتي وأطفالي، فكيف لي أن أهدئ من روع زوجتي وأطفالي الخمسة، خاصة وأنني لم أرَ حجم الدمار والقتل الذي يرتكبه الاحتلال خلال عدوانه، وكانت نافذتي على الأحداث أذناي فقط"، هذا ما قاله الكفيف عبد العزيز كريم 31 عاماً لـ"شبكة قدس".

ويضيف كريم الذي يسكن قريباً من موقع مجزرة شارع الوحدة بغزة التي ارتكبها الاحتلال خلال عدوانه الأخير على غزة: "عندما كان أطفالي يسمعون أصوات الصواريخ والانفجارات، كنت أحاول تهدئتهم وضمهم إلى صدري، وكنت دوماً أعمل على رفع معنوياتهم، وننام معا في ذات الغرفة".

ويتابع: "كنت أخشى أن تمنعني إعاقتي من حماية أطفالي، كان ذلك كابوساً يؤرقني لا يقل ألماً عن كوني كفيفا، فكانت الغصة تعتصر قلبي كلما تخيلت أنني قد أعجز عن حماية أطفالي، فأنا لم أستطع أن أضبط الوضع النفسي لي فما بالك أطفالي، فمنهم لم يبلغ من العمر ثلاثة أعوام، وكنت دوماً أنادي عليهم لأسمع أصواتهم حولي".

يعاني كريم من مشاكل في البصر منذ الولادة، حيث كان مصابا بانفصال بالشبكية، ومع مرور الوقت، وإجراء عدة عمليات جراحية تفاقم الأمر إلى أن أصيب بانفصال كامل بالشبكية.

يضيف: "حاولت جاهدا أن أخفي دموعي عن عبد العزيز حيث كان يستذكر ما جرى في واحدة من ليالي الحرب، حيث أُبلغ وجيرانه بعد منتصف الليل بضرورة مغادرة بيتهم لأن الاحتلال سيقصف قريباً منهم، وهذا ما كنت أخشاه فأنا كفيف كيف سأتصرف، كيف سأحمي أطفالي؟، حملت الحقيبة التي يعرفها كل أهالي غزة والتي تضم كل الأوراق الرسمية والثبوتية والهامة، وأمسكت بأولادي وخرجنا من البيت وبقينا نمشي، ولكن بعد نصف ساعة اتضح أنها مزحة من إحدى الأقارب، فعدنا إلى البيت وأنا ممزق القلب لإحساسي بالضعف في حماية أولادي".

ويستهجن كريم القصور الكبير في التعامل مع ذوي الإعاقة، "فلا مكان آمن ولا ملجأ لهذه الفئة وكل المؤسسات التي تتغنى بحقوق ذوي الإعاقة لم تقدم شيئاً لنا لا خلال العدوان الأخير ولا في الحروب السابقة".

وختم حديثه لـ"شبكة قدس" قائلا: "أنا كنت مع استمرار الجولة إذا كانت النتائج المرجوة منها يمكن أن تتحقق وتشفي صدور الناس، ومع إيقافها إذا لم يكن تحقيق لهذه النتائج". 

ليلة العيد

تفتقت أروى في أحد أزقة الشجاعية، كما زهرة بيلسان مدت فروعها لتطل على العالم بعينين حالمتين، لكنها لم تر ملامح هذا العالم، فقد أطفأ القدر شموع حدقتيها، وطفقت مذ أدركت أنها عمياء البصر على إيقاد بصيرتها، حيث أرشدها بارئها إلى القرآن الكريم، ووجدت ضالتها بين آياته.

ذكريات الكفيفة أروى ضاهر عن العدوان الأخير مشابهة لذكريات كريم، فتقول لـ"شبكة قدس": "ليلة العيد كانت من أشد الليالي ألما، كانت الأصوات مرتفعة بشكل كبير، لم أرى شيئاً ولكن صوت تلك الانفجارات لا زال صداه في أذنيّ، كنت أعتقد بأن تلك الليلة آخر ليلة في حياتي، كانت لحظات مؤلمة، وكلما أتذكرها يخفق قلبي بقوة من الخوف".

وتحمد أروى ابنة الـ24 ربيعاً، الله أنها لم تضطر وأسرتها مغادرة منزلها، فهي تعي تماماً معاناة الكفيف عندما يغادر منزله وتتغير البيئة المحيطة به، مع أن هذا الخيار كان موجوداً في حال استمر العدوان على غزة.

تقول أروى: "لا أعرف شكل الصاروخ وكيف يسقط ويدمر، كل ما أعرفه تلك الأصوات التي تكفي لتخلع القلب من مكانه، فأنا ولدت كفيفة فكثير من الأشياء أسمعها أو أسمع عنها ولكنني لا أعرف كيف تبدو، وهذا يجعل خوفي أكبر لأنني أخشى المجهول".

وتنتقد أروى قلة وعي المجتمع بذوي الإعاقة وقدراتهم، قائلة: "نحن قادرون على التأثير والإبداع والتغيير كالأصحاء تماماً، كما أشارت إلى أنه طيلة أيام العدوان لم تتواصل أي مؤسسة أو جهة لتقديم أي شيء لذوي الإعاقة، إنما تواصلت بعض المؤسسات بعد العدوان لمعرفة تأثير الحرب النفسي فقط".

وبابتسامة تقول أروى: "الحمد لله انتهت الحرب، فبعد ما سمعت هول ما أجرم الاحتلال بحقنا تمنيت أن تنتهي بأقرب وقت".

الله لا يعيدها من أيام

"جميع الأصوات تفزعني.. أريد أن تتوقف الحرب"، بهذه الكلمات كانت تصرخ الخمسينية والتي اكتفت بأن نشير إليها بـ(أ.ع)، وذلك عند كل قصف إسرائيلي على قطاع غزة خلال العدوان الأخير.

(أ.ع) وهي من ذوات الإعاقة، أصيبت قبل سنوات بجلطة دماغية أفقدتها القدرة على الحركة، تقوم وهي تبتسم مخفية خلفها مشاعر الخوف والرعب الذي عاشته طيلة أيام العدوان الأخير على قطاع غزة، وتقول لـ"شبكة قدس": "الحمد لله أن الحرب انتهت.. الله لا يعيدها من أيام، كان خوفي مضاعفا فأنا لا أملك لنفسي نفعاً، لو هرب الجميع وتركوني، فأنا لا أستطيع المشي وين بدي أروح!".

وتقول شقيقتها والتي فضلت هي أيضاً عدم الكشف عن اسمها: "أيام الحرب كانت تصرخ ليلاً ونهاراً عند سماعها صوت الانفجارات، وتنادي على أي فرد في البيت ليساعدها في الانتقال أو على الأقل مساندتها وهي تتحرك على جهاز (الووكر) لتنتقل إلى مكان آمن، بعيداً عن الشبابيك والشارع العام".

تضيف بعد أن أخذت نفساً عميقاً أقرب للتنهيدة يملؤها الألم: "لم أستطع أن أقوم بمهامي المنزلية طيلة أيام العدوان، فوقتي كان كله لأختي أساندها وأقف إلى جوارها حتى تشعر بالأمان"، مشيرة إلى أن اختها كانت تتابع الأخبار بشكل كبير وتشعر بالخوف والهلع كلما تسارعت وتيرة الضربات أو دنت.

تتابع: من أصعب المواقف التي كنت أمر بها حين اصطحاب شقيقتي المقعدة إلى الحمام، لقضاء حاجتها، أو مساعدتها في الاستحمام، كنا نحاول الإسراع قدر الإمكان حتى لا نفاجأ بقصف قريب يجعلها تخاف بشكل كبير ".

وتقول: "كان يخيل لها أنه في حال استهدفت المنطقة بقصف عنيف قد ننساها ونهرب ونتركها خلفنا من الخوف والهلع، وهي لا تملك القدرة على المشي أو الهرب، ورغم كل محاولاتنا طرد هذا التصور من رأسها إلا أنها بقيت تفكر فيه واستمر حاضراً في ذهنها إلى انتهاء العدوان".

55 ألفاً من ذوي الإعاقة

بدوره؛ قال مدير دائرة تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة في وزارة التنمية الاجتماعية غسان فلفل لـ"شبكة قدس": "إن وزارة التنمية الاجتماعية لديها خبرة في التعامل مع ذوي الإعاقة في الطوارئ والحروب، ومن ضمن عملنا مع المؤسسات الدولية أنشأنا أكثر من 22 مركز تأهيل موائم للأشخاص ذوي الإعاقة في حال حدوث نزوح".

وأضاف فلفل: "طواقمنا منتشرة في كافة محافظات القطاع وهناك مدربون للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة سواء خلال الطوارئ والحروب أو غيرها، وكيفية نقلهم واستقبالهم في أماكن النزوح"، كما تعمل على توفير كل الأدوات المساندة والمساعدة لهم كالكراسي والووكرات وعصي وغيرها".

وأكد فلفل أن وزارته وكل المؤسسات الشريكة معها تعمل على الوصول إلى كافة ذوي الإعاقة خلال الطوارئ والاعتداءات، وتنشر بشكل منتظم ومستمر لتقديم العون والمساعدة، "ويحق لكل شخص من ذوي الإعاقة التواصل معنا من أجل تقديم العون له.

وبعد الطوارئ أوضح فلفل أن للوزارة والمؤسسات الشريكة معها برامج تأهيل وعلاج طبيعي وعلاج نفسي لكافة الأشخاص ذوي الإعاقة، ويتم إغاثة ودعم كل هذه الفئات حسب حاجة كل حالة.

وبين فلفل أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة المسجلين لدى وزارة التنمية الاجتماعية بغزة 55 ألفاً، وهم من جميع أنواع الإعاقات وفق تصنيفات منظمة الصحة العالمية.

#غزة #حرب #صواريخ #قصف #احتلال #ذوو الإعاقة