شبكة قدس الإخبارية

حرب البنوك على الحاضنة الشعبية للمقاومة

صورة تعبيرية
خالد بركات

لم يبدأ الحصار الأمريكي الصهيوني ضد الطبقات الشعبيّة الفلسطينية المُفقرة، ولا بدأت حرب التجويع المستمرة بحق عوائل الأسرى والشهداء منذ يومين أو قبل أسبوع واحد فقط.

إنها الحرب الشاملة واليوميّة التي لا تهدأ يوماً واحداً، وقد إرتفعت وتيرتها واشتدت سطوتها هذه الأيام، فما يجري في الواقع هو تضييق الخناق على كتلة شعبية وازنة في محاولة جديدة لإحكام دائرة الحصار على المقاومة الفلسطينية وحاضنتها الشعبية. كما أن تورّط بعض البنوك في حملة العقاب الجماعيّ ضد الأسرى والشهداء، يأتي في سياق دور ووظيفة السلطة الفلسطينية من جهة، وتعبيراً صارخاً عن الرضوخ الفلسطيني الرّسمي أمام الشروط الإسرائيلية والأمريكية من جهة أخرى.

إن الهدف الصهيوني المُعلن والسرّي الذي يعرفه شعبنا هو ذاته لا يتغير: مطلوب رأس المقاومة وتركيع حاضنتها وصدفتها الشعبية الصلبة.

وفي وقت يواصل فيه الكيان الصهيوني وحلفائه المحليين من سكان القصور الكبيرة وشركاء "السلام الاقتصادي" حربهم على الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية في الداخل، تتسع ميادين الحرب على كل الشعب الفلسطيني.

إجراءات البنوك هذه ليست بعيدة كما يظن البعض عن تجويع مخيمات لبنان وسوريا والعقوبات المستمرة على قطاع غزة. وهذا الاستهداف ليس بعيدًا أيضاً عن الحرب السياسية والإعلامية التي يشنها الوزير الصهيوني جلعاد أردان على المسرح الدولي في محاولة لتشويه صورة الحركة الأسيرة وقياداتها الوطنية، ولا هي منفصلة عن تصاعد الهجمة القمعية المسعورة داخل زنازين ومعتقلات العدوّ .

وإذا كانت الأجهزة الامنية الفلسطينية تُعتبر الجزء العضوي وشريك للكيان في عملية استهداف قوى المقاومة الفلسطينية المسلحة في الضفة المحتلة، بالأدوات الصلبة، وعبر نظام القمع والسجون والتجريم والملاحقة والتعذيب، وفق اتفاقيات ما يُسمى "التنسيق الامني" مع الاحتلال، فإن حرب البنوك الفلسطينية هي الشق الاقتصادي من معادلة "أوسلو" ومن هذه الحرب البشعة، أي القتل بالتجويع، في الحقيقة هي ترجمة يومية للاتفاقيات الأمنية والاقتصادية الموقعة بين السلطة والكيان برعاية أمريكية مباشرة.

ويقول نتنياهو في كل يوم لطبقة البنوك الفلسطينية "اذا بدكم سلام اقتصادي وشراكة حقيقية ومشاريع ودولارات أكثر، كونوا شركاء معنا في الحرب على الإرهاب"!

ولا يكترث نتنياهو لما يقوله "رئيس وزراء السلطة " ورئيسها، فالشريك الحقيقي له موجود على الأرض، إنها طبقة فلسطينية تُكدّس أموالها وثرواتها في بنوكها وبنوك الولايات المتحدة والغرب وصار لديها أجهزة أمنية تحمي مصالحها.

من يتابع صحافة العدوّ ويقرأ حركته الإعلامية والسياسية على المسرح الدولي، يعرف أن السنوات الأخيرة تركزت جهوده على تكرار رسالة مكثفة واحدة أراد إيصالها إلى العالم مُلخصها تجريم الأسرى! أي اعتبارهم "قتلة ارتكبوا جرائم من أجل المال وضد الأبرياء الآمنين من اليهود في يهودا والسامرة ولأنهم إرهابيون فلا قضية لهم ولا حقوق، فالسجناء الفلسطينين هم في الحقيقة عصابات ومافيا، ولا حماية لهم ولعائلاتهم".. وهذه هي رسالة العدو الصهيوني اليومية إلى العالم.

ولا نرى بالمقابل أي دور لسفارات السلطة الفلسطينية في الخارج، لا تدافع عن الحركة الأسيرة وتقدم صورتها الحقيقية وموقعها الطبيعي في ضمير الشعب الفلسطيني وتاريخه الكفاحي التّحرري. فهذه السفارات لها وظائف وأدوار أخرى، والأسرى هم آخر همومها.

ولا تتعب الحركة الأسيرة من توجيه النداء إثر النداء إلى "مؤسسات الشعب الفلسطيني للقيام بدورها ومسؤوليتها" لكن هذه السفارات وغيرها من مؤسسات منظمة التحرير قرارها ليس في قبضة الشعب الفلسطيني بل في قبضة طبقة البنوك والمال. طبقة اوسلو وهي لن تنتصر للمقاومة إلا اذا تحررت بالقوة الشعبية.

الصّف الأمامي في كيان العدوّ الذي يتقدم هذه الجبهة ويقود هذه الحرب هو ما يُسمى " وزارة الشؤون الاستراتيجية " التي لا دور لها إلا مهاجمة حركات المقاطعة وأنصار فلسطين والمقاومة في العالم .

وتحاول "اسرائيل" تصوير خطاب التضامن مع الحقوق الفلسطينية باعتباره " دعماً للارهاب "، هذه الوزارة التي تنشط في روما، ولندن، ونيويورك، وبرلين، وباريس، وعبر سفارات الكيان وعلاقتها الوثيقة بوزارة الخارجية، ولها تواجد على امتداد العالم هي ذاتها التي يترأسها جلعاد أردان وزير الأمن الداخلي المسؤول المباشر عن سلطة السجون في دولة الكيان.

هذه ليست صدفة، جلعاد أردان يحمل كلا الحقيبتين في وقت واحد لتحقيق الهدف الصهيوني المتمثل في: تجريم المقاومة ومن يدعمها، أي تجريم الحركة الأسيرة ومن ينتصر لها.

وعلى الأرض رأينا كيف جرى استهداف عشرات الأفراد والعديد من المؤسسات الوطنية الفلسطينية في القدس وداخل فلسطين المحتلة 48، خاصة تلك التي تحاول تقديم الدعم المادي والقانوني للحركة الأسيرة.

هناك عشرات الأمثلة والقصص لأسيرات دخلن السجون خلال السنوات الأخيرة بحجة دورهن في "نقل الأموال إلى الإرهابيين وعائلاتهم"، كما يجري تصوير المناضلات ووفق هذه القوانين والسياسية باعتبارهن " أدوات حركة حماس في المناطق" أو "عملاء للجبهة الشعبية" أو "وسطاء الارهاب" كل هذا في محاولة صهيونية واضحة لتجريف وتشويه المعنى والمضمون النضالي لهذا الدور الوطني وقلب الصورة عن قصد.

لقد قرر الاحتلال خلال الفترة الاخيرة، وبالتزامن مع الإعلان عن ما يسمى "صفقة القرن" أن يرفع سقف المواجهة أكثر حين بدأ "يُخنصر" من أموال المقاصة بحجة أنها تذهب إلى عائلات الارهابيين "عوائل الشهداء والأسرى".

وفي محاولة جديدة للضغط أكثر على الحركة الأسيرة في استهداف مباشر للحاضنة الشعبية للمقاومة، وهذا الضغط لم يكن موجهاً ضد السلطة ولا البنوك الفلسطينية والشركات الكبرى التي تقدر أرباحها في العام المنصرم وحده بـ نحو ملياري ونصف!

بالمقابل رأينا كيف جرى ضخ الهواء الفاسد في بالون الموقف الرسمي الفلسطيني ودور إعلام السلطة الكاذب لا يخفى على أحد، بالركوب على ظهر الحركة الأسيرة لرفع أسهم رئيس السلطة في الشارع الفلسطيني وتقديمه باعتباره حامي حمى الحركة الأسيرة والمدافع الأول عن حقوقها وسمعنا تلك الاسطوانة المشروخة عن "ولو آخر قرش في جيبنا نعطيه لعائلات الشهداء والأسرى"، وكل هذه المسرحية لا تنطلي على شعبنا صاحب التجربة الطويلة، وهي تؤكد النظرة الاستخدامية الرخيصة لمعاناة أسرى فلسطين وتبرر استهدافهم المباشر باليد الاخرى!

إن التراجعات التكتيكية التي يُقدم عليها الاحتلال في بعض الأحيان، أو تلك التي تقوم بها السلطة الفلسطينية في بعض المحطات بتنسيق مع الاحتلال تأتي تحت الضغط الشعبي الفلسطيني وفي سياق خلق آليات جديدة، تضمن التكيف مع قرارات الاحتلال من جهة وتخفف حدة الصراع مع طبقة البنوك والشركات التي تخاف على ما تملكه فما يمكن ان تخسره أمام غضب الجماهير الشعبية التي خسرت كل شيء أكثر بكثير. وهذا ما يفسر لنا ايضا عدم الذهاب في حلقات الحصار الى آخره في قطاع غزة حيث توجد كتلة شعبية كبيرة وقادرة على إزعاج الكيان ومستعمراته في غلاف القطاع .

إن الحرب على الحركة الأسيرة وحاضنتها الشعبية المناضلة هي حرب شاملة على المقاومة بدأت منذ العام 1995 من العاصمة الأمريكية واشنطن، في حقبة الرئيس بيل كلينتون ، حين أصدرت وزارة المالية الامريكية ( الخزينة ) لائحة لما يسمى "المنظمات الارهابية الاجنبية".

وما جرى مؤخرًا من إجراءات عقابية سواء على يد الاحتلال أو على يد البنوك والسلطة جزء من حرب الكيان الصهيوني وأدواته على شعبنا ونقطة برنامجية ثابتة على أجندة أجهزته الأمنية والسياسية والاقتصادية، وحلقة في سلسلة مشروع تصفية المقاومة الفلسطينية باعتبارها العقبة الحقيقية الوحيدة التي تحول دون حسم الصراع لصالح الكيان الصهيوني، لأن المقاومة هي الحامي الحقيقي للحقوق الوطنية وضمانة استمرار نضاله التحرري من أجل العودة والتحرير.